تشهد صفحات التواصل الاجتماعي في تونس خلال الأيام الأخيرة تداولًا واسعًا لمزاعم تفيد بعزم الدولة، ضمن ميزانية سنة 2026، إحالة نحو 13 ألف مدير عام ومدير وموظف من منتدبي ما يُعرف بـ«العشرية الماضية» على التقاعد الوجوبي، وتعويضهم بشباب عاطل عن العمل.
ورغم الانتشار الكبير لهذه الرواية، فإن التدقيق في المعطيات القانونية والمالية المتوفرة يكشف أنها لا تتجاوز، إلى حدّ الآن، مستوى الإشاعة أو السيناريو الخيالي .
أولًا: غياب السند الرسمي
لم يتضمن قانون المالية لسنة 2026 ولا أي بلاغ حكومي رسمي فصلًا صريحًا أو قرارًا معلنًا ينص على إحالة جماعية لآلاف الموظفين على التقاعد الوجوبي بسبب تاريخ انتدابهم. كما لم يصدر أي نص تشريعي أو ترتيبي يحدّد:
- عدد المعنيين،
- أو صفاتهم الوظيفية،
- أو آجال التنفيذ،
- أو آليات التعويض.
وهو ما يجعل ما يُتداول على شبكات التواصل الاجتماعي مجرد تأويل أو استباق غير مؤسس.
ثانيًا: الإطار القانوني لا يسمح بالقرارات الاعتباطية
من الناحية القانونية، لا يمكن للدولة:
- إحالة موظفين على التقاعد لمجرد انتمائهم إلى فترة سياسية معيّنة،
- أو اتخاذ إجراء جماعي دون احترام مبدأ المساواة واستقرار الوظيفة العمومية.
أي قرار من هذا الحجم يتطلب:
- نصًا قانونيًا واضحًا،
- ومسوغات موضوعية،
- وقابلية للطعن أمام القضاء الإداري في حال الإخلال بالضمانات القانونية.
ثالثًا: الجدوى الاقتصادية… أو وهم الحل السريع
يرى بعض مروّجي هذه الفرضية أنها تمثل حلًا لأزمتين: تضخم كتلة الأجور وبطالة الشباب.
غير أن القراءة الاقتصادية تُظهر أن:
- إحالة عدد كبير من الموظفين على التقاعد قد تُخفّف مؤقتًا من كتلة الأجور،
- لكن تعويضهم مباشرة بمنتدبين جدد يعني عمليًا عدم تحقيق وفرة مالية حقيقية،
- بل الاكتفاء بتغيير التركيبة العمرية دون إصلاح هيكلي.
أما البطالة، فهي مشكلة بنيوية لا تُحلّ بتدوير المناصب داخل الإدارة العمومية، بل بخلق الثروة وتحفيز الاستثمار والقطاع الخاص.
رابعًا: بين الخطاب الإصلاحي والتوظيف الشعبوي
صحيح أن الخطاب الرسمي يتحدث منذ سنوات عن:
- إصلاح الوظيفة العمومية،
- وضخ دماء جديدة،
- وترشيد الانتدابات،
لكن الفرق كبير بين التوجهات العامة والقرارات التنفيذية المرقّمة والممأسسة.
الخلط بينهما يفتح الباب أمام:
- التهويل،
- وبث القلق الاجتماعي،
- وتغذية مناخ عدم الثقة.
خلاصة
ما يُروَّج حول إحالة 13 ألف موظف على التقاعد الوجوبي وتعويضهم بشباب عاطل عن العمل لا يستند، في وضعه الحالي، إلى أي معطى رسمي أو نص قانوني منشور.
وإلى أن تُعرض ميزانية 2026 للرأي العام وتُناقَش فصولها بوضوح، يبقى هذا الحديث في خانة الإشاعات الرقمية التي تستوجب التفنيد لا الترويج.
في زمن الأزمات، تبقى المعلومة الدقيقة مسؤولية، والتهويل خطرًا مضاعفًا.


