يرى الباحث الإيراني المتخصص في البنية الأمنية والعسكرية للنظام، مهدي بربنجي، أن استمرار إطلاق النار من قبل الجمهورية الإسلامية، والقمع في الشوارع، واستمرار البث الرسمي، وترتيبات الخلافة، وصمت النخب، وإظهار مظاهر الحياة الطبيعية، لا تعكس تماسكًا استراتيجيًا أو قدرة على الصمود. بل هي، في نظره، الآليات الظاهرة لنظام دخل مرحلة الانهيار، ينفذ الخطط التي وُضعت لليوم الذي يُضرب فيه مركزه، ويعمل في حالة تفكك، ويراهن على أن واشنطن لن تطيل أمد الحرب بما يكفي لإنهاء المهمة.
مؤشرات مضللة
بعد ثمانية عشر يومًا من إطلاق الولايات المتحدة وإسرائيل حملتهما العسكرية ضد إيران في 28 فيفري 2026، لا تزال العديد من مظاهر استمرارية الدولة قائمة. فما تزال الجمهورية الإسلامية تطلق الصواريخ والطائرات المسيّرة نحو إسرائيل وأهداف أخرى في المنطقة، بما في ذلك أنظمة متقدمة مثل صاروخ “سجيل” الباليستي. كما يستمر التلفزيون الرسمي في البث، وتبقى وحدات الباسيج والحرس الثوري منتشرة في الشوارع. وتم تنصيب مجتبى خامنئي خليفة، ولم يظهر حتى الآن أي انقسام كبير داخل النخبة، كما لا تزال أجزاء من الشبكة الإقليمية للنظام قائمة، وتتوفر السلع الأساسية في المتاجر، ولم تندلع الانتفاضة الشعبية الواسعة التي توقعها كثيرون.
بالنسبة لكثير من المراقبين، تشير هذه المعطيات إلى نتيجة واحدة: النظام تلقى ضربة قاسية لكنه لا يزال صامدًا.
لكن هذه القراءة، وفق تحليل مهدي بربنجي، قد تكون خاطئة جذريًا.
فهذه المؤشرات ليست زائفة، بل يتم تفسيرها ضمن إطار خاطئ. فهي تُقرأ كدليل على أن النظام امتص الصدمة، بينما تشير في الواقع إلى العكس. لقد استعدت الجمهورية الإسلامية للحظة التي يُضرب فيها مركزها وتتفكك فيها بنيتها القيادية. في مثل هذا السيناريو، تستمر الوحدات الإقليمية في إطلاق النار، وتواصل الأجهزة الأمنية القمع، ويُظهر النظام مظاهر من الحياة الطبيعية حتى مع انهيار السيطرة المركزية.
نظام بُني لمواجهة “قطع الرأس”
لفهم ذلك، يجب العودة إلى منتصف العقد الأول من الألفية. حينها أعاد الحرس الثوري تنظيم نفسه وفق منطق الحرب غير المتكافئة. أدرك المخططون الإيرانيون أنهم لا يستطيعون مجاراة الولايات المتحدة في الحروب التقليدية، فبنوا نظامًا قادرًا على الصمود في حال استهداف قيادته.
تم إنشاء شبكة من عشرة مقرات إقليمية للحرس الثوري، لكل منها استقلالية نسبية، تسمح لها بإدارة العمليات محليًا حتى في حال تدمير القيادة المركزية في طهران. الهدف كان واضحًا: الحفاظ على القدرة على القمع الداخلي ومواصلة القتال الخارجي دون انتظار أوامر من المركز.
هذا ما يُعرف بعقيدة “الدفاع الفسيفسائي”، حيث يستمر النظام في العمل حتى عند تفككه إلى أجزاء شبه مستقلة.
استمرار إطلاق الصواريخ لا يعني التماسك
لهذا السبب، فإن استمرار إطلاق الصواريخ لا يدل على تماسك استراتيجي، بل على دخول النظام المرحلة التي أعدّ نفسه لها: الاستمرار في العنف بعد بداية انهيار القيادة.
وقد لمح عباس عراقجي إلى ذلك عندما قال إن بعض الضربات لم تكن بقرار مركزي، بل نفذتها وحدات “مستقلة ومعزولة نسبيًا” بناءً على تعليمات مسبقة.
آلة القمع لا تزال قاتلة… لكنها متضررة
ينطبق المنطق نفسه على الوضع الداخلي. فرغم استمرار القمع، فإن بنيته تضررت بشدة. فقد تم استهداف مراكز القيادة، وتدمير قواعد محلية، مما أضعف قدرة النظام على المراقبة والتحكم.
النظام لا يزال قادرًا على إطلاق النار، لكنه لم يعد قادرًا على السيطرة بنفس الكفاءة السابقة.
الشوارع الهادئة لا تعني الخضوع
غياب الاحتجاجات لا يعني أن الشعب استسلم، بل قد يعكس تكتيكًا مؤقتًا. فقد دعت أصوات معارضة إلى التريث، والبقاء في المنازل، وانتظار اللحظة المناسبة.
الخلافة مؤشر ضعف لا قوة
تنصيب مجتبى خامنئي لا يعكس استمرارية حقيقية، بل حالة هشاشة. فغيابه شبه التام عن الظهور العلني يرسل رسالة بأن القيادة في وضع دفاعي، لا هجومي.
صمت النخبة لا يعني التماسك
غياب الانشقاقات لا يدل بالضرورة على وحدة الصف، بل قد يعكس حالة انتظار وترقب، في ظل عدم وضوح ما إذا كانت الولايات المتحدة ستواصل الضغط حتى النهاية.
ما يسمى “محور المقاومة” لا يزال قائمًا شكليًا، لكنه فقد الكثير من قوته، مع تراجع قدرات حلفائه في المنطقة.
مظاهر الحياة الطبيعية تخفي أزمة اقتصادية
توفر السلع الأساسية لا يعني أن الاقتصاد سليم. فالنظام يواجه ضغوطًا مالية كبيرة، وتأخرًا في دفع الرواتب، وتراجعًا في الإيرادات، خاصة مع اقتراب فترة “النوروز” الحساسة.
الإعلام الرسمي لم يعد مؤشرًا حاسمًا
استمرار البث التلفزيوني لم يعد دليلًا قويًا على استقرار النظام، في عصر يمكن فيه البث من مواقع متعددة بسهولة.
النظام لا يحتاج إلى الانتصار… بل إلى الصمود
يخلص مهدي بربنجي إلى أن ما يبدو صمودًا هو في الواقع “وهم صمود”. فالنظام لا يسعى للانتصار، بل لإطالة أمد الصراع، وإرهاق خصومه، إلى أن يفقدوا الإرادة السياسية لمواصلة المواجهة.
ما نشهده، إذن، ليس نظامًا قويًا، بل نظامًا في مرحلة الانهيار، لا يزال قادرًا على إنتاج العنف وإظهار مظاهر الحياة، لكنه لم يعد قادرًا على إخفاء حقيقة دخوله المرحلة التي استعد لها منذ زمن: لحظة تفكك المركز.

