قال الخبير الاقتصادي الدولي العربي بن بوهالي إن معدل التضخم المعلن في تونس لا يعكس الارتفاع الحقيقي في كلفة المعيشة، واصفًا الوضع بـ«التضخم السحري الذي لا يمكن ملاحظته»، في إشارة إلى الفجوة بين نسبة التضخم الرسمية ومستوى مؤشر أسعار الاستهلاك.
وكان المعهد الوطني للإحصاء قد أعلن أن معدل التضخم في شهر جانفي 2026 تراجع إلى 4.8% على أساس سنوي، في وقت واصل فيه مؤشر أسعار الاستهلاك الكلي ارتفاعه ليبلغ 190.8 نقطة، مقابل 183.5 نقطة في مارس 2025، دون تسجيل أي تراجع شهري منذ ذلك التاريخ.
وأوضح بن بوهالي أن اعتماد سنة 2015 كسنة أساس (مؤشر = 100) يعني أن سلة السلع والخدمات التي كانت تُباع بـ100 دينار آنذاك، تُباع اليوم بـ190.8 دينار، مع ثبات الكمية والجودة، أي بزيادة فعلية قدرها 90.8 دينار خلال عشر سنوات، ما يعادل 9.08 دنانير سنويًا، وهو ما يمثل – حسب تقديره – معدل تضخم حقيقي يقارب 9% سنويًا، وليس 4.8%.
وبيّن الخبير أن الفرق الجوهري يكمن في أن نسبة 4.8% تقيس وتيرة التغير السنوي في الأسعار، في حين يعكس رقم 190.8 القيمة الحقيقية للأسعار بالدينار الجاري، مؤكدًا أن المستهلك «يشعر بالتضخم في جيبه لا في النسب المئوية».
أسعار الغذاء تواصل الارتفاع رغم تحسن الإنتاج
وأشار بن بوهالي إلى أن أسعار المواد الغذائية الأساسية واصلت الارتفاع خلال الاثني عشر شهرًا الماضية، رغم موسم فلاحي جيد وفائض في بعض المنتجات، حيث سجلت:
- زيادة أسعار لحم الضأن بنسبة 16.1%
- لحم البقر 10.4%
- الأسماك 11.3%
- الدجاج 8.8%
- الخضر الطازجة 7.2%
- الفواكه الطازجة 17.8%
- الحبوب والقمح 5.6%
أسباب استمرار ارتفاع المؤشر
وعزا الخبير هذا الوضع إلى عدة عوامل، أبرزها:
- التضخم النقدي الناتج عن ضخ البنك المركزي التونسي نحو 14 مليار دينار في الاقتصاد، ما رفع الكتلة النقدية المتداولة إلى 27.3 مليار دينار، بزيادة سنوية قدرها 11%.
- تعدد الوسطاء في سلاسل التوزيع، ما يرفع تضخم أسعار الجملة.
- تشوه الأسعار الاسمية بسبب دعم الغذاء والطاقة، حيث ارتفعت أسعار المواد المدعومة بنسبة 0.6% فقط في جانفي، مقابل 6% للمواد ذات الأسعار الحرة.
- اعتماد الاقتصاد التونسي بنسبة 77% على الاستهلاك الداخلي، ما يجعل أي توسع في الإنفاق دافعًا مباشرًا للتضخم.
- أعباء تمويل الدعم عبر الاقتراض أو التوسع النقدي، وما يترتب عنها من ضغط مالي وتضخم إضافي.
مقارنة إقليمية
ولفت بن بوهالي إلى أن شركاء تونس التجاريين تمكنوا من خفض التضخم خلال العامين الماضيين، حيث بلغ في:
- أوروبا: 2.0%
- ليبيا: 1.6%
- الجزائر: 3.7%
- المغرب: 1.3%
في حين ظل التضخم في تونس عند مستويات مرتفعة.
واعتبر الخبير أن العجز المزدوج (المالي والتجاري) وضخ السيولة لتمويل الدعم أسهما في خلق «تضخم خفي» يقلل ظاهريًا من النسبة المعلنة، لكنه يفاقم كلفة المعيشة ويضعف القدرة الشرائية للدينار.

