يشير الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي إلى أن المواطن التونسي لم يلمس تحسّنًا في القدرة الشرائية رغم التراجع الظاهري في معدل التضخم الرسمي، مشدّدًا على أن الأرقام الرسمية تخفي عمق التحولات الاقتصادية والاجتماعية منذ 2015 وتسارع حدّتها بعد 2021.
وفق المعطيات الرسمية للمعهد الوطني للإحصاء، ارتفع معدل التضخم من حوالي 5% في جانفي 2015 إلى ذروة 10.3% في ماي 2023، قبل أن يتراجع تدريجيًا إلى 4.8% في جانفي 2026، لكن هذا التراجع لا يعكس تحسّنًا حقيقيًا، بل يشير إلى تباطؤ وتيرة الغلاء بعد وصول الأسعار إلى مستويات مرتفعة يصعب الرجوع عنها.
معدل التضخم المعيشي المرتبط بكامل قفة المواطن يُظهر أن التضخم الفعلي منذ 2015 إلى 2026 بلغ 8.5% سنويًا، أي أعلى بكثير من الأرقام الرسمية. قبل 2022، كان التضخم السنوي يقارب 6.6% وكانت الدولة والأسر قادرة نسبيًا على التكيف من خلال الدعم والزيادات في الأجور، بعد 2022 أصبح التضخم أسرع وأكثر تركيزًا على المواد الأساسية بمعدل 8% سنويًا في وقت تراجعت قدرة الدولة والأسر على التعديل، والنتيجة أن الأسر تعاني من فقدان القدرة الشرائية بسبب أسعار المواد الأساسية المرتفعة.
المؤشر العام للأسعار عند الاستهلاك يشمل مواد مدعّمة وخدمات غير أساسية ما يؤدي إلى تخفيف إحصائي للغلاّء، وعند احتساب قفة المواطن التي تمثل 62.5% من إنفاقه يظهر أن الزيادات الأكثر تأثيرًا شملت الغذاء، الكراء، الصحة، التعليم والنقل وهي نفقات لا يمكن تأجيلها. الأجور الرسمية لم تواكب التضخم الحقيقي، أجر 500 دينار في 2015 كان يحتاج إلى 1041 دينار في 2026 للحفاظ على القدرة الشرائية الفعلية، أجر 1000 دينار يحتاج إلى 2083 دينار، وأجر 1500 دينار أكثر من 3100 دينار، وهذا الفرق يفسر الإحساس الجماعي بتدهور مستوى المعيشة حتى في فترات تراجع التضخم الرسمي.
التضخم ليس فقط نتيجة نقدية بل انعكاس لارتفاع كلفة الإنتاج، تراجع الإنتاج المحلي، ضعف الاستثمار وانخفاض قيمة الدينار، أدى إلى تآكل الطبقة الوسطى، توسّع دائرة الهشاشة وزيادة الاعتماد على القروض والاقتصاد الموازي كآلية بقاء، وأي تراجع اسمي في التضخم لا يُترجم تلقائيًا إلى استقرار اجتماعي ما يخلق توترًا صامتًا بين الدولة والمجتمع.
مسار التضخم في تونس بين 2015 و2026 يكشف أننا أمام تحوّل بنيوي في العلاقة بين الأجور والأسعار والدولة، التراجع الظرفي في معدل التضخم الرسمي لا يكفي لإقناع المواطن بتحسن وضعه، المطلوب مراجعة شاملة لسياسات الدخل، توجيه الدعم نحو الفئات المتضررة وربط الأجور بكلفة العيش الفعلية حتى يصبح أي انخفاض في التضخم ملموسًا على حياة المواطنين.

