أثارت دراسة جينية حديثة أجرتها جامعة هارفارد بقيادة هارالد رينغباور وديفيد رايش جدلاً واسعًا حول الأصول العرقية للكارثاجيين. بحسب الدراسة، يبدو أن الكارثاجيين الذين عاشوا قبل 400 قبل الميلاد كانوا يمتلكون أصولًا جينية أقرب إلى اليونانيين الإيجيين منهم إلى سكان الشام (الليفيانت)، وهو ما يتناقض مع الفرضية التقليدية التي ترى أن الكارثاجيين منحدرون مباشرة من الفينيقيين القادمين من صيدا وطرس في لبنان.
الدراسة اعتمدت على تحليل 398 جينومًا من مواقع كارثاجية في شمال إفريقيا، صقلية، سردينيا والشرق الأوسط، مع استخدام تقنيات تأريخ بالكربون المشع والفحص الجيني لتحديد الفترة الزمنية لكل فرد. وأظهرت النتائج أن الجينومات الكارثاجية كانت متقاربة مع الجينومات الإيجيّة وتمتد جزئيًا نحو الجينومات شمال إفريقية، لكنها بعيدة عن الجينومات الشامية والأوروبية.
هذا ما أثار انتقادات من باحثين تونسيين، مشيرين إلى أن الدراسة لم تشمل مواقع كارثاجية رئيسية في تونس وجنوب شمال إفريقيا، ما قد يكون سببًا في تغليب الجينات الإيطولية أو الإيجيّة على حساب الجينات البربرية والفينيقية الأصلية.
الدراسة تقترح سيناريوهين محتملين لتفسير هذا الاختلاف:
- الهجرة الإيجيّة المبكرة: قد يكون الفينيقيون القلائل القادمون من الشام قد اندمجوا مع سكان محليين ذوي أصول إيجيّة، خصوصًا في جزر شرق المتوسط مثل قبرص، قبل الانتقال إلى غرب المتوسط وتأسيس كارثاج.
- نخبة تجارية levantine: قد تكون نخبة تجارية قليلة من الشام أسست كارثاج، لكنها اضطرت للاندماج مع السكان المحليين وشبكة التجار الكارثاجيين، ما أدى إلى تأثير جيني كبير من السكان الإيجيين ووجود تنقل واسع للرجال والجينات بين المدن الكارثاجية المختلفة في شمال إفريقيا وصقلية وسردينيا وكورسيكا وإيبيريا.
تشير النتائج إلى أن شبكة المدن الكارثاجية كانت مرتبطة تجاريًا باليونانيين الإيجيين، وأن التبادلات والزيجات والأسرى ربما ساهموا في تشكيل هذا التكوين الجيني الفريد.
في النهاية، يظل السؤال مفتوحًا حول مدى تأثير الفينيقيين الأصليين مقابل السكان المحليين والشبكة التجارية الإقليمية، ويؤكد الباحثون أن الدراسات مستمرة لاستجلاء أصل الكارثاجيين الحقيقي.

