في وقت تتجه فيه فرنسا إلى تخفيف عبء الديون عن شركة Air France-KLM عبر التخلّي عن جزء من القروض المتراكمة منذ أزمة كوفيد-19، يبرز في تونس نقاش متصاعد حول إمكانية اعتماد مقاربة مماثلة لإنقاذ الخطوط التونسية ، التي تتخبط منذ سنوات في أزمة مالية وتشغيلية حادة.
وتدرس الحكومة الفرنسية، ضمن مشروع ميزانية 2026، خيار التخلي عن ديون تناهز 728 مليون يورو لفائدة Air France-KLM، وهي ديون تعود إلى فترة الجائحة. ويأتي هذا التوجه في سياق تعافي المجموعة منذ سنة 2022، حيث حققت أرباحًا صافية متتالية، وبلغ رقم معاملاتها سنة 2025 حوالي 33,3 مليار يورو، بزيادة تقارب 5% مقارنة بسنة 2024.
وسجّلت المجموعة أرباحًا صافية قُدّرت بنحو 728 مليون يورو في 2022، و940 مليون يورو في 2023، ثم 489 مليون يورو في 2024، رغم بقاء دينها الصافي في حدود 7,8 مليارات يورو إلى نهاية سبتمبر 2025، وهو ما تعتبره السلطات الفرنسية وضعية قابلة للإدارة في إطار خطة إعادة هيكلة واضحة وحوكمة صارمة.
في المقابل، تعيش الخطوط التونسية وضعًا مغايرًا تمامًا. فقد كشف تقرير رسمي صادر عن محكمة المحاسبات أن الشركة تتصدر قائمة المؤسسات العمومية الأكثر خسارة، بخسائر ناهزت 316 مليون دينار تونسي، ضمن إجمالي خسائر تجاوزت مليار دينار شملت 11 مؤسسة عمومية. وتأتي هذه الأرقام لتؤكد عمق الأزمة التي تمر بها الشركة الوطنية، سواء على مستوى المديونية أو الأسطول أو انتظام الرحلات.
وفي جانفي 2025، أكد وزير النقل رشيد عامري وجود اهتمام من “أعلى هرم في السلطة” بإعادة الخطوط التونسية إلى مستواها السابق، معترفًا في الآن ذاته بأن أرقام ديون الشركة “صادمة”، شأنها شأن أغلب شركات النقل العمومي. وشدد الوزير على أن الهدف العاجل يتمثل في تمكين الشركة من تغطية مصاريفها الذاتية وخلاص الأجور، في انتظار تحقيق نقلة نوعية في الأداء تسمح بالعودة إلى تحقيق الأرباح.
وأوضح عامري أن إنقاذ الشركة يمرّ عبر إعادة تنظيم طرق العمل وتحفيز العاملين، معتبرًا أن تحسّن الوضع يظلّ ممكنًا “لو أنجز كل مسؤول ما هو مطلوب منه”، وفق تعبيره.
ورغم هذا الخطاب الإيجابي، يرى متابعون للشأن الاقتصادي أن مقارنة وضع تونسير بـAir France-KLM تظلّ معقّدة. ففرنسا قررت التخلّي عن ديون شركة عادت إلى الربحية وتعمل في إطار منظومة مالية قوية، بينما تواجه تونس أزمة مالية عامة تحدّ من قدرتها على تحمّل كلفة شطب ديون مؤسسة عمومية خاسرة دون إصلاحات هيكلية عميقة.
ويبقى السؤال المطروح اليوم:
هل تتجه تونس إلى خيار التخلّي عن ديون الخطوط التونسية كحلّ إنقاذي، أم أن الأولوية ستظلّ لإصلاح الحوكمة وتحسين الأداء قبل أي قرار مالي سيادي؟
الإجابة لا تزال معلّقة على قرارات سياسية واقتصادية لم تتضح ملامحها بعد.

