في تعليق لافت وعميق على حادثة وفاة شابة من قفصة إثر إصابتها بالتهاب زائدة دودية حاد ومضاعف، خرجت الدكتورة لمياء قلال، رئيسة قسم الأمراض المعدية والجهاز الهضمي بمستشفى محمود الماطري، عن صمتها لتسليط الضوء على الإخلالات العميقة التي تشوب المنظومة الصحية في تونس، خصوصًا على مستوى أقسام الاستعجالي.
وفي تدوينة توضيحية، أكدت الدكتورة أن تحقيقًا داخليًا قد انطلق لتحديد المسؤوليات، مشيرة إلى وجود ثغرات إدارية وطبية أولية تم رصدها بالفعل. وأعربت عن اهتمامها بمعرفة ما إذا كان والد الفقيدة قد أبلغ الطاقم الطبي فعلاً بعدم توفر الإمكانيات المادية، لأن البروتوكولات المعمول بها تتيح تأجيل الدفع الإداري إذا كانت الحالة مستعجلة وتحمل توقيع وختم طبيب مختص.
وأضافت أن هذه الإجراءات معمول بها في المستشفيات منذ سنوات، حتى خارج أقسام الاستعجالي، كما أن منشورات وتعميمات دورية تُذكر بها الإدارة باستمرار، معتبرة أن تطبيقها هو جزء من أخلاقيات المهنة قبل أن يكون التزامًا قانونيًا.
ورغم فداحة الحادثة، شددت الدكتورة قلال على أن مثل هذه المآسي يمكن أن تحدث في أي مكان في العالم، لكن المهم هو التعامل مع الأخطاء بجدية والعمل على تقليصها، لا سيما في ظل ما وصفته بـ”الاختناق المزمن لأقسام الاستعجالي“، الذي يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات.
وتساءلت في هذا السياق:”كيف يمكن إقناع مريض مصاب بزكام بسيط أو بحرقة في المعدة بعدم التوجه إلى قسم الطوارئ؟ أو مريض يعاني من انتفاخ أو إمساك مزمن؟”
وهي تساؤلات تلخص، حسب رأيها، عمق الأزمة الهيكلية في العلاقة بين المواطن ومؤسسات الرعاية الصحية.
ودعت إلى:
- تحسين منظومة الرعاية الصحية الأساسية في كل الجهات.
- تطوير التعاون بين القطاعين العام والخاص.
- توسيع دور الصيدلي كحلقة أولى في منظومة العلاج.
- إطلاق حقيقي لمشروع “المعرّف الصحي الوحيد” الذي أعلن عنه مؤخرًا وزير الصحة، كخطوة محورية لفك التعقيدات الإدارية وتسهيل متابعة المرضى.
وختمت الدكتورة لمياء قلال بدعوة إلى مراجعة الأدوات التشخيصية المعتمدة في أقسام الطوارئ، مقترحة إدراج وسائل بسيطة وفعالة مثل التصوير بالموجات الصوتية الفورية واختبارات الدم السريعة في خط العلاج الأول، وبأسلوب يتلاءم مع واقع تونس وإمكانياتها لا مع نماذج مستوردة غير قابلة للتطبيق.
حادثة أليمة فجّرت جدلًا واسعًا، لكنها فتحت أيضًا الباب أمام نقاش حقيقي حول الإصلاحات الضرورية لإنقاذ ما تبقى من الثقة في المنظومة الصحية العمومية.

