حذّرت الأستاذة الجامعية في العلوم الاقتصادية هالة بن حسين الخلادي من بلوغ المالية العمومية في تونس مرحلة حرجة، في ظل ارتفاع الدين العمومي إلى مستويات تقارب 85% من الناتج المحلي الإجمالي، داعية إلى إطلاق مسار عاجل وشفاف للإصلاح يجمع بين ترشيد النفقات وتعزيز تعبئة الموارد الجبائية.
وجاء ذلك في مذكرة سياسات بعنوان “الدين العمومي بعد كوفيد: تونس أمام استعجالية الإصلاح الميزاني”، أُنجزت بدعم من مشروع “سافوار إيكو” المموّل من الاتحاد الأوروبي والمنفّذ من قبل Expertise France، مع تأكيد جمعية الاقتصاديين التونسيين (ASECTU) أن الآراء الواردة تعبّر عن كاتبتها فقط.

دين يقترب من عتبة 90%
ووفق بيانات وزارة المالية لسنة 2024، بلغ الدين العمومي 85,3% من الناتج المحلي الإجمالي، أكثر من 60% منه بالعملات الأجنبية، ما يزيد من مخاطر تقلبات سعر الصرف. ورغم تسجيل نمو اقتصادي في حدود 2,3% خلال 2024، لا يزال العجز الأولي يفوق 3% من الناتج، في ظل ارتفاع كلفة خدمة الدين نتيجة تشديد السياسات النقدية عالمياً منذ 2022.
وترى الدراسة أن تونس “استنفدت هوامش المناورة”، محذّرة من أن استمرار المسار الحالي قد يدفع بنسبة الدين إلى تجاوز 90% من الناتج، بما يهدد الاستقرار المالي والسيادة الوطنية.
مقاربة تحليلية جديدة
واعتمدت الدراسة منهجية تحليل استدامة الدين العمومي عبر مقاربة عشوائية (Stochastic Debt Sustainability Assessment) باستخدام محاكاة “مونتي كارلو” بـ10 آلاف تكرار، بما يسمح بإدماج متغيرات النمو وسعر الفائدة وسعر الصرف والرصيد الأولي ضمن سيناريوهات احتمالية متعددة.
وتؤكد الباحثة أن هذه المقاربة أثبتت نجاعتها مقارنة بالتحليل التقليدي المعتمد من صندوق النقد الدولي، إذ توقعت في دراسة سابقة (2019-2022) إمكانية بلوغ الدين 90% في حال وقوع صدمة كوفيد، بينما كانت تقديرات الصندوق في 2021 تشير إلى 70% فقط.
وأبرزت المحاكاة ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
- سيناريو الاستمرار على نفس النهج: تجاوز الدين 90% مع مخاطر عدم الاستدامة.
- سيناريو إصلاح تدريجي: خفض النسبة إلى نحو 62,7% بفضل تحسين الرصيد الأولي.
- سيناريو صدمة خارجية: ارتفاع الدين إلى 90% بفعل تدهور سعر الصرف أو ارتفاع الفائدة.
اختلالات هيكلية متجذّرة
وتعزو الدراسة تفاقم المديونية إلى جملة من العوامل، من بينها:
- استمرار العجز الأولي بسبب تضخم كتلة الأجور والدعم وضعف نجاعة الاستثمار العمومي.
- هشاشة هيكل الدين أمام تقلبات سعر الصرف.
- ضعف النمو وتدنّي تعبئة الموارد الجبائية.
- بطء التفاعل المالي مع ارتفاع مستويات الدين.
ثلاثة مسارات للإصلاح
تقترح المذكرة ثلاث خيارات رئيسية:
- إصلاح تدريجي عبر ترشيد النفقات
من خلال ضبط كتلة الأجور، وإصلاح منظومة الدعم عبر توجيهه نقدياً للفئات المستحقة. وتعتبره خياراً أقل كلفة اجتماعياً، لكنه يتطلب وقتاً وإرادة سياسية. - تعبئة الموارد عبر إصلاح جبائي تصاعدي
يشمل مكافحة التهرب الضريبي، توسيع القاعدة الجبائية، وإدماج القطاع غير المنظم، بما يعزز العدالة الجبائية ويوفر موارد إضافية دون تقليص الإنفاق الاجتماعي. - إعادة هيكلة الدين بدعم خارجي
عبر التفاوض مع الدائنين في إطار برنامج مع صندوق النقد الدولي، وهو خيار يوفّر انفراجاً سريعاً لكنه محفوف بكلفة سياسية ومالية، وتراه الدراسة صعب التحقيق في الظرف السياسي الراهن.
توصيات: إصلاح تدريجي بشفافية وتوافق اجتماعي
وتدعو الباحثة إلى اعتماد استراتيجية مزدوجة تقوم على إصلاح تدريجي للنفقات بالتوازي مع تعبئة إضافية للإيرادات، في إطار:
- إرساء إطار ميزاني متوسط المدى بأهداف واضحة للرصيد الأولي.
- تعزيز الشفافية والمساءلة عبر البرلمان ومحكمة المحاسبات.
- إطلاق حوار اجتماعي مؤسساتي يضم النقابات والمجتمع المدني والشركاء الدوليين.
وتؤكد الدراسة أن التعافي “لن يكون تقنياً فقط بل سياسياً أيضاً”، وأن نجاح أي إصلاح مرتبط بوجود شفافية كاملة وتوافق اجتماعي صلب.
وختمت المذكرة بالتشديد على أن “تونس لا تحتاج إلى صدمة جبائية عنيفة، بل إلى مسار إصلاحي مستدام وذي مصداقية”، معتبرة أن استقرار الدين العمومي ليس مجرد هدف محاسبي، بل رهان سيادي وتنموي طويل المدى.
وختمت المذكرة بالتشديد على أن “تونس لا تحتاج إلى صدمة جبائية عنيفة، بل إلى مسار إصلاحي مستدام وذي مصداقية”، معتبرة أن استقرار الدين العمومي ليس مجرد هدف محاسبي، بل رهان سيادي وتنموي طويل المدى.

