الرئيسيةآخر الأخبارالفوترة الإلكترونية تثير جدلًا واسعًا: مخاوف من تعطّل النشاط الإقتصادي وتراجع مداخيل...

الفوترة الإلكترونية تثير جدلًا واسعًا: مخاوف من تعطّل النشاط الإقتصادي وتراجع مداخيل الدولة

أثار دخول أحكام الفوترة الإلكترونية حيّز التنفيذ مع قانون المالية لسنة 2026 جدلًا واسعًا في الأوساط الاقتصادية والمهنية، وسط تحذيرات متصاعدة من تداعيات سلبية محتملة على مناخ الأعمال، وعلى مداخيل الدولة، خاصة من الأداء على القيمة المضافة، الذي يُعدّ أحد أهم الموارد الجبائية للخزينة العمومية.

ويأتي هذا الجدل بعد أن تمّت، وفق فصول قانون المالية، توسيع نطاق الفوترة الإلكترونية ليشمل «جميع خدمات تقديم الخدمات»، دون إصدار نصوص ترتيبية واضحة أو شروح رسمية من قبل الإدارة الجبائية توضّح كيفية التطبيق، أو تحدّد الأطراف المعنية بدقّة، أو تبيّن المراحل الانتقالية المفترضة.

قانون نافذ… دون جاهزية

وبحسب مختصين، فإن الإشكال الأساسي لا يكمن في مبدأ الفوترة الإلكترونية في حدّ ذاته، باعتبارها خيارًا استراتيجيًا معمولًا به منذ سنوات في تونس، بل في التعميم السريع والمفاجئ للإجراء دون استعداد تقني أو مؤسساتي.

ويُقدَّر عدد الخاضعين الجدد للفوترة الإلكترونية بنحو 300 ألف مؤسسة وخاضع للضريبة، يُفترض أن يصدروا ملايين الفواتير سنويًا، في وقت لا تبدو فيه المنظومة التقنية ولا الأطراف المتدخلة (من بينها TunTrust وTunisie TradeNet) قادرة على استيعاب هذا الحجم في الآجال الحالية.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن مؤسسات أصبحت، منذ غرّة جانفي 2026، مطالبة قانونيًا بالفوترة الإلكترونية، لكنها عاجزة عمليًا عن الامتثال للإجراء لعدم استكمال الترتيبات التقنية، ما يضعها في وضعية مخالفة للقانون دون أن تكون قادرة على تدارك الوضع.

وفي المقابل، فإن مواصلة الفوترة الورقية تُعرّض هذه المؤسسات لعقوبات مالية تتراوح بين 100 و500 دينار عن كل فاتورة، وفق ما ينص عليه قانون المالية، وهو ما يخلق وضعًا قانونيًا وعمليًا مأزومًا.

صمت الإدارة الجبائية

ورغم حالة الغليان التي تعيشها وسائل الإعلام، والمؤسسات الاقتصادية، والمنظمات المهنية، والخبراء، فإن الإدارة الجبائية لم تصدر، إلى حدّ الآن، أي مذكرة تفسيرية أو توضيح رسمي يشرح كيفية تطبيق هذه الإصلاحات أو يحدّد مجالها بدقة.

ويعتبر مهنيون أن هذا الصمت يزيد من حالة الضبابية وعدم اليقين، وهي عوامل تُعدّ من أكثر ما يضرّ بالنشاط الاقتصادي والاستثمار.

عبء إضافي على النسيج الاقتصادي

ويرى متابعون أن تعميم الفوترة الإلكترونية بنفس الشروط والإجراءات والعقوبات على جميع المتدخلين، من شركات كبرى في قطاعات الطاقة والبنوك إلى الحرفيين والمهنيين الصغار في الجهات الداخلية، يطرح إشكالًا حقيقيًا في العدالة والواقعية.

ويذكّر خبراء بأن أكثر من 90% من النسيج الاقتصادي التونسي يتكوّن من مؤسسات صغرى وصغرى جدًا، يعمل أغلبها بعدد محدود من الأجراء، وتعاني أصلًا من ثقل الإجراءات الجبائية وتعدّد التصاريح والالتزامات الإدارية.

تحذير من مخاطر مالية

ويحذّر مختصون من أن استمرار هذا الغموض قد يؤدي إلى تعطّل عمليات الفوترة، وبالتالي تسجيل تصريحات «صفرية» خلال الأشهر الأولى من السنة، ما يعني تراجعًا مباشرًا في استخلاص الأداءات، خاصة الأداء على القيمة المضافة، وهو ما قد ينعكس سلبًا على قدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتها المالية، بما في ذلك الأجور.

خبراء يدعون إلى التدرّج

وفي هذا السياق، أكّد مصطفى مزغني، الرئيس المدير العام السابق لتونس ترادينت (TTN) والمستشار السابق بوزارة المالية، أن الفوترة الإلكترونية تمثل إصلاحًا هيكليًا ضروريًا لتعزيز الشفافية ومقاومة التهرّب الضريبي، لكنه شدّد على أن الإشكال يكمن في نسق التعميم السريع وغياب المرافقة والتوضيح.

وأوضح مزغني، في تصريح إعلامي، أن النص القانوني يتحدث عن «عمليات تقديم خدمات» وليس فقط «شركات خدمات»، ما يعني أن مؤسسات صناعية وتجارية قد تكون معنية بالفوترة الإلكترونية عن جزء من نشاطها، وهو ما لم يتم توضيحه رسميًا، وفتح الباب أمام تأويلات متناقضة.

كما حذّر من خطورة العقوبات المنصوص عليها، والتي قد تصل إلى 10 آلاف دينار عن كل فاتورة في حال غياب البيانات الإلزامية، فضلًا عن تحميل المسؤولية ليس فقط للمؤسسة المصدرة للفاتورة، بل أيضًا للحريف الذي لا يطالب بها.

ودعا مزغني إلى اعتماد حلول عملية، من بينها إصدار مذكرات تفسيرية عاجلة من الإدارة الجبائية، وإقرار فترة انتقالية لا تقل عن سنتين، تسمح مؤقتًا بالفوترة الورقية مع التسوية اللاحقة، واعتماد التدرّج في التعميم بحسب حجم المؤسسات وقدراتها.

إصلاح بلا رؤية؟

ويرى مراقبون أن الجدل الحالي يعكس إشكالًا أعمق يتعلق بطريقة صياغة وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية في تونس، حيث تُدرج إجراءات كبرى ضمن قوانين المالية دون أن تسبقها سياسات عمومية واضحة أو استثمارات مرافقة أو رؤية اقتصادية شاملة.

ويجمع المتابعون على أن تحديث الإدارة ورقمنة الاقتصاد أهداف مشروعة، لكن نجاحها يظلّ رهين الوضوح، والتدرّج، والتواصل، وتوفير الشروط الواقعية للتطبيق، حتى لا تتحول الإصلاحات، بدل أن تكون رافعة للتنمية، إلى عبء إضافي يهدّد ما تبقّى من قدرة النسيج الاقتصادي على الصمود.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى

error: Content is protected !!