الرئيسيةآخر الأخبارالفوترة الإلكترونية في تونس: هل نتعلم من دروس إيطاليا وفرنسا وألمانيا؟

الفوترة الإلكترونية في تونس: هل نتعلم من دروس إيطاليا وفرنسا وألمانيا؟

يتواصل الجدل تحت قبة البرلمان حول تطبيق الفوترة الإلكترونية، في ظل مخاوف عبّر عنها ممثلو عدد من المهن الحرة، وفي مقدمتهم الأطباء، بشأن الجوانب التقنية والقانونية، وخاصة ما يتعلق بسرية المعطيات الصحية وصعوبات التطبيق الميداني.

وبينما يُطرح الملف في تونس باعتباره إصلاحًا جبائيًا يهدف إلى تعزيز الشفافية ومقاومة التهرب الضريبي، تُظهر التجارب الأوروبية أن نجاح هذا النوع من الإصلاحات يرتبط أساسًا بالتدرج، والوضوح القانوني، وضمان حماية البيانات الحساسة.

إيطاليا: الصرامة مع فترات انتقالية

تُعد إيطاليا من أوائل الدول التي عمّمت الفوترة الإلكترونية إجباريًا منذ 2019، حيث تمر جميع الفواتير عبر منصة حكومية مركزية. غير أن روما اعتمدت مراحل انتقالية واضحة، وخففت العقوبات في البداية، كما تعاملت بحذر مع المعاملات المرتبطة بالبيانات الصحية، مراعية خصوصية القطاع الطبي.

التجربة الإيطالية بيّنت أن الرقمنة الشاملة ممكنة، لكن بشرط توفير أدوات رسمية مجانية ومرافقة تقنية حقيقية للمهن الحرة.

فرنسا: إصلاح مؤجل لتفادي الارتباك

في فرنسا، ورغم أن الفوترة الإلكترونية مطبقة منذ سنوات في التعامل مع الدولة، فإن تعميمها على جميع المؤسسات والمهنيين شهد تأجيلًا رسميًا. السبب لم يكن رفض الإصلاح، بل الاعتراف بصعوبته التقنية والحاجة إلى وقت إضافي للاستعداد.

النقاش الفرنسي ركّز بقوة على حماية المعطيات الشخصية، خاصة في القطاعات الحساسة كالصحة، في إطار احترام صارم للتشريعات الأوروبية المتعلقة بحماية البيانات.

ألمانيا: أولوية مطلقة لأمن المعطيات

أما ألمانيا، فاعتمدت مسارًا أكثر تحفظًا، حيث بدأت بالقطاع العام قبل الانتقال تدريجيًا إلى القطاع الخاص. وتخضع البيانات الصحية هناك لقوانين صارمة للغاية، ما جعل أي تعميم رقمي مشروطًا بضمانات قانونية وتقنية دقيقة.

التجربة الألمانية تؤكد أن الرقمنة ليست مجرد قرار إداري، بل منظومة متكاملة تتطلب بنية تحتية رقمية جاهزة وثقة مهنية ومجتمعية.

تونس بين الضرورة والجاهزية

في الحالة التونسية، لا يعترض الأطباء – وفق تصريحاتهم – على مبدأ الفوترة الإلكترونية أو الالتزام الجبائي، لكنهم يطالبون بتطبيق تدريجي، وبضمانات واضحة لحماية سرية المعطيات الطبية، إضافة إلى تبسيط الإجراءات ومراعاة واقع العيادات، خاصة في ظل غياب أنظمة معلوماتية لدى عدد منها.

كما يثير نظام تخزين البيانات المقترح، الذي يجمع بين هيكل عمومي وكيان خاص، تساؤلات حول الحوكمة والأمن السيبراني، وهي إشكاليات مطروحة عالميًا وليست حكرًا على تونس.

الدرس الأوروبي: الإصلاح الناجح يحتاج توافقًا

ما تكشفه التجارب الأوروبية هو أن:

  • التدرج شرط أساسي لنجاح الإصلاح.
  • القطاعات الحساسة تحتاج ترتيبات خاصة.
  • التأجيل أحيانًا ليس تراجعًا، بل ضمانًا لنجاح التنفيذ.
  • الثقة بين الدولة والمهنيين عنصر حاسم.

في المحصلة، تبدو الفوترة الإلكترونية في تونس خطوة في اتجاه تحديث الإدارة الجبائية، لكن نجاحها سيظل رهينًا بقدرة السلطات على طمأنة المهن الحرة، وضبط آليات حماية المعطيات، وتوفير مرافقة تقنية حقيقية، بما يحقق التوازن بين مقتضيات الشفافية وخصوصيات الواقع المهني.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى

error: Content is protected !!