أثار عادل لطيفي الكاتب والباحث الأكاديمي جدلًا بعد نشره تدوينة نقدية تناول فيها كتاب “الشخصية التونسية، محاولة في فهم الشخصية العربية” للراحل منصف وناس، معتبرًا أن مفهوم “الشخصية التونسية” كما طُرح في المؤلف يفتقر إلى الأسس العلمية الصلبة ويظل أقرب إلى الطرح الجدالي منه إلى البناء المعرفي البرهاني.
وأوضح اللطيفي أنه اطّلع على الكتاب، الذي أُنجزت دراسته بين سنتي 2003 و2008، في ظل كثرة الاستشهاد به في النقاشات العامة، مشيرًا إلى أن موضوع “الشخصية الوطنية” يُعد من المفاهيم الإشكالية في علم الاجتماع ولم يحظَ بمصداقية كبيرة في العلوم الاجتماعية المعاصرة. واعتبر أن التناقضات الواردة في الكتاب تعكس هذا الإشكال، إلى حد اعتباره “بحثًا في موضوع غير موجود”.
وانتقد الباحث اعتماد المؤلف على مراجع قديمة يعود أغلبها إلى ما قبل خمسينات القرن الماضي، موضحًا أن عددًا منها يتناول “شخصية المكان” في بعدها الجغرافي أكثر من تناوله للشخصية في معناها السلوكي الاجتماعي. كما أشار إلى أن الاستشهاد بكتاب الباحثة الأمريكية روث بنديكت “أنماط الثقافة” لا يحيل مباشرة إلى مفهوم “الشخصية القاعدية”، بل إلى الاتجاهات العامة داخل كل ثقافة.
وتوقف اللطيفي عند ما اعتبره تداخلًا بين المستويات المحلية والوطنية والعربية في الكتاب، متسائلًا عن مدى وجاهة الحديث عن “شخصية تونسية” باعتبارها صدى لـ”شخصية عربية”، إن وُجدت. كما انتقد تعريف “الشخصية القاعدية” بوصفها متوسط السلوكيات في مجتمع ما، وفي الآن ذاته مرادفًا للشخصية الوطنية، متسائلًا عما إذا كان ذلك يعني وجود عشرات “الشخصيات القومية” في العالم.
وعلى مستوى المنهجية، استغرب الباحث اعتماد الاستبيان على 400 رجل مقابل 100 امرأة فقط، معتبرًا أن هذا الاختلال يطرح تساؤلات حول تمثيلية النتائج. كما أبدى تحفظه على استعمال الأمثلة الشعبية كمؤشر على “الشخصية”، نظرًا لاحتوائها على الشيء ونقيضه تبعًا لاختلاف السياقات الاجتماعية.
توقف اللطيفي عند تعريف الكتاب لما سُمّي بـ”الشخصية القاعدية”، حيث يطرحها “وكأنها متوسط السلوكيات في مجتمع ما” وفي الآن نفسه يطلق عليها كمرادف “الشخصية الوطنية”. ويتساءل في هذا السياق: “فهل يعني هذا أن هناك مثلا 22 شخصية عربية و193 شخصية قاعدية في العالم؟”، في إشارة إلى الإشكال الذي يطرحه تعميم المفهوم على وحدات وطنية أو قومية مختلفة.
وعلى مستوى المنهجية، أبدى الباحث استغرابه من اعتماد الاستبيان على 400 رجل مقابل 100 امرأة فقط، متسائلًا عن خلفيات هذا الاختيار ومدى تأثيره على النتائج. كما اعتبر أن استعمال الأمثلة الشعبية باعتبارها مرآة عاكسة لشخصية مجتمع ما يطرح إشكالًا منهجيًا، “لأننا نجد فيها الشيء ونقيضه كي تستجيب لمقتضيات الواقع المعيشي وتناقضاته، وهذه وظيفتها الاجتماعية”.
وفي قراءته للمحتوى، أشار اللطيفي إلى أنه فهم، في بعض المواضع، أن ما سُمّي بـ”الشخصية القاعدية” هو ببساطة “الثقافة المهيمنة أو السائدة في مجتمع ما أو في مرحلة تاريخية ما”، وهو ما يختلف، بحسب رأيه، عن الحديث عن “الشخصية القاعدية أو الوطنية” كما ورد في الكتاب، بما في ذلك الإشارة إلى شخصيات “رومانية، وعربية، وهلالية، وتركية” (ص 25).
كما انتقد الباحث ما اعتبره سردًا مختصرًا لأهم مراحل تاريخ تونس من العهد القرطاجي إلى الاستقلال دون وجود ربط واضح، “حسب رأيه”، مع ما يُسمّى بالشخصية التونسية. واعتبر أن في ذلك “الكثير من التعسف على التاريخ عبر الربط الآلي بحق من عمق الماضي”، في إشارة إلى محاولة تفسير سمات معاصرة بالعودة إلى محطات تاريخية بعيدة.
وتوقف اللطيفي كذلك عند عدد من الاستنتاجات التي وصفها بأنها “عامة ومتسرعة ويحكمها منطق الانطباع أكثر من البرهان”، من قبيل القول إن “الشخصية التونسية غير مقاومة للأوضاع الصعبة ولا تفضل المواجهة المباشرة” (ص 65)، أو توصيفها بأنها “شخصية تهربية: أخطى راسي واضرب” (ص 68)، أو “شخصية مهادنة”، إضافة إلى الحديث عن “الحرص على المال” (ص 84) و”استراتيجية الحلول الفردية” (ص 99). ويطرح في هذا السياق سؤالًا جوهريًا: “فيم تختلف هذه السمات عن مصر أو المغرب أو السنغال أو إسبانيا مثلا؟”.
وفي قراءته لمحتوى الكتاب، رأى اللطيفي أن ما سُمّي بـ”الشخصية القاعدية” قد يكون في الواقع تعبيرًا عن الثقافة المهيمنة أو السائدة في مرحلة تاريخية معينة، لا عن بنية نفسية جماعية ثابتة. وانتقد كذلك ما اعتبره “تعسفًا على التاريخ” عبر الربط الآلي بين محطات تاريخ تونس منذ العهد القرطاجي وسمات يُفترض أنها ما تزال قائمة في الحاضر.
كما اعتبر أن بعض الاستنتاجات الواردة في الكتاب — مثل القول إن الشخصية التونسية “غير مقاومة للأوضاع الصعبة” أو “مهادنة” أو تميل إلى “استراتيجية الحلول الفردية” — تبدو عامة ومتسرعة وتحكمها الانطباعات أكثر من الأدلة المقارنة، متسائلًا عن مدى اختلاف هذه السمات عن مجتمعات أخرى في المنطقة أو خارجها.
وخلص اللطيفي إلى أن ما ورد في الكتاب قد يعكس بالأساس واقع “التونسي الرجل” في فترة معينة من حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، واستراتيجيات التأقلم مع ذلك السياق السياسي والاجتماعي، أكثر مما يعكس وجود كتلة متجانسة تُسمّى “الشخصية التونسية”. واعتبر أن هذا المفهوم، كما طُرح، يظل موضوعًا جداليًا خطابيا أكثر منه بناءً علميًا قائمًا على البرهان.


