أكدت وزارة القوات المسلحة الفرنسية في تقرير صدر اليوم أن الردع النووي يظل «حجر الزاوية» في الاستراتيجية الدفاعية لفرنسا منذ أكثر من ستة عقود، مشددة على أن عقيدته تطورت تدريجياً منذ خطاب الجنرال شارل ديغول عام 1959، دون تغيير جوهرها، بل عبر تكييفها مع تحولات البيئة الدولية من الحرب الباردة إلى عودة الحروب إلى أوروبا.
وأوضح التقرير أن الرؤساء المتعاقبين للجمهورية الخامسة أشرفوا على تحديث تنظيم ووسائل القوات النووية من خلال مجلس الدفاع والأمن القومي، ولا سيما مجلس التسليح النووي، بما يضمن الحفاظ على تماسك الردع وفعاليته في مواجهة التحديات الراهنة، مع تثبيت خمس خصائص أساسية: قوة مسؤولة، استقلال وسيادة، مصداقية عملياتية، طابع دفاعي صرف، وبُعد أوروبي واضح.

سلاح استراتيجي بقدرة “إحداث ضرر غير مقبول”
يشدد التقرير على أن الطبيعة الفريدة للسلاح النووي، من حيث القوة والتأثير، تجعله مختلفاً جذرياً عن أي سلاح تقليدي، إذ يقوم منطق الردع على إقناع أي معتدٍ محتمل بأن كلفة الهجوم ستكون «غير مقبولة» مقارنة بأي مكاسب متوقعة.
وتؤكد باريس أن السلاح النووي أداة ردع استراتيجية بحتة، وترفض اعتباره سلاحاً ميدانياً أو وسيلة إكراه أو ترهيب. كما تعتمد فرنسا مبدأ «الحد الكافي» في ترسانتها، من دون السعي إلى تكافؤ عددي مع القوى النووية الأخرى، مع الحفاظ على تفوق تكنولوجي يضمن قدرة صواريخها على اختراق أي منظومات دفاعية مستقبلية.
التزام بنزع السلاح وعدم الانتشار
أبرز التقرير التزام فرنسا بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، مشيراً إلى أن باريس خفضت ترسانتها عام 2008 إلى أقل من 300 رأس نووي، وفككت بشكل لا رجعة فيه منشآت إنتاج المواد الانشطارية ومواقع التجارب النووية، وكانت من أوائل الدول التي صادقت على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية.
كما تدعم فرنسا إطلاق مفاوضات حول معاهدة حظر إنتاج المواد الانشطارية للأغراض العسكرية، وتشارك في آليات تقليص المخاطر الاستراتيجية ضمن إطار «P5»، إضافة إلى تقديم ضمانات أمنية سلبية لعشرات الدول غير النووية الملتزمة بعدم الانتشار.
استقلال القرار… بيد رئيس الجمهورية حصراً
يؤكد التقرير أن الردع النووي الفرنسي مستقل بالكامل، سواء من حيث الوسائل أو القرار السياسي. فالرئيس الفرنسي هو الجهة الوحيدة المخولة بإصدار أمر استخدام السلاح النووي، في إطار تقييم المصالح الحيوية للأمة.
ويشمل مبدأ الاستقلال جميع عناصر المنظومة: تصميم الرؤوس النووية عبر مفوضية الطاقة الذرية، تطوير الصواريخ بواسطة وكالة التسليح، إضافة إلى الغواصات النووية الحاملة للصواريخ الباليستية (SNLE) المجهزة بصواريخ M51.3 التي دخلت الخدمة مؤخراً، ومقاتلات “رافال” المزودة بصاروخ ASMPA-R في المكوّن الجوي.
وتحافظ فرنسا على جاهزية دائمة، إذ تضمن وجود غواصة نووية واحدة على الأقل في البحر بشكل مستمر منذ سبعينيات القرن الماضي، بما يكرّس قدرة «الضربة الثانية» ويعزز مصداقية الردع.
مصداقية عملياتية وتحديث حتى 2035
يشير التقرير إلى أن قانون البرمجة العسكرية يخصص استثمارات كبيرة لتحديث المنظومة النووية حتى عام 2035، مع تطوير جيل جديد من الغواصات (SNLE 3G) وصاروخ M51.4، إضافة إلى مقاتلات Rafale F5 وصاروخ ASN4G.
كما يعتمد ضمان سلامة وفعالية الرؤوس النووية على برنامج «المحاكاة» الذي يحتفل عام 2026 بمرور 30 عاماً على إطلاقه، ويعتمد على نمذجة فيزيائية متقدمة، ومحاكاة رقمية فائقة الأداء، وتجارب مخبرية عالية الدقة، دون الحاجة إلى إجراء تجارب نووية فعلية.

عقيدة دفاعية صِرفة… مع “تحذير نووي” محتمل
يشدد التقرير على أن الردع النووي ذو طابع دفاعي بحت، ولا يُتصور استخدامه إلا في ظروف قصوى من الدفاع المشروع عن المصالح الحيوية. وتحتفظ باريس بـ«غموض متعمد» بشأن تعريف تلك المصالح وحدودها، لتعقيد حسابات أي خصم محتمل.
ويشير النص إلى خيار «التحذير النووي» كإجراء فريد وغير قابل للتكرار، قد يُستخدم لإعادة ترسيخ الردع إذا أخطأ خصم في تقدير عزم فرنسا، من دون أن يكون الهدف تحقيق تفوق عسكري ميداني.
بُعد أوروبي متزايد
يبرز التقرير أن الردع النووي الفرنسي يسهم في أمن القارة الأوروبية، مع تأكيد الرؤساء المتعاقبين أن المصالح الحيوية لفرنسا تتجاوز حدودها الوطنية. وذكّر التقرير بخطاب الرئيس الفرنسي في 5 مارس 2025، الذي أعلن فيه فتح نقاش استراتيجي حول حماية الحلفاء الأوروبيين عبر الردع الفرنسي، مع التأكيد أن القرار النهائي سيظل حصرياً بيد رئيس الجمهورية.
كما أشار إلى تعزيز التنسيق مع المملكة المتحدة، بموجب إعلان «نورثوود» في جويلية 2025، الذي ينص على إمكانية تنسيق القدرات النووية الفرنسية والبريطانية، رغم استقلالها الكامل، بما يبعث برسالة ردعية مشتركة إلى أي تهديد أوروبي محتمل.

تكامل مع ردع “الناتو”
يؤكد التقرير أن البعد الأوروبي للردع الفرنسي لا يحل محل الردع الموسع لحلف شمال الأطلسي، بل يكمّله، بما يعقّد حسابات أي خصم محتمل عبر تعدد مراكز القرار النووي في أوروبا.
ويخلص تقرير وزارة القوات المسلحة الفرنسية الصادر اليوم 2 مارس 2026 إلى أن الردع النووي يظل الضامن الأساسي لسيادة فرنسا وحريتها في التقدير والقرار والعمل، في عالم يتسم بعودة التهديدات الكبرى وتصاعد المنافسات بين القوى الدولية، مع الحرص على التوفيق بين الحفاظ على المصداقية الوطنية وتعزيز الأمن الأوروبي المشترك.

