تسعى شركة بوينغ الأميركية إلى توسيع نطاق أنشطتها في تونس، في خطوة تعكس تحوّلًا لافتًا في مسار الدبلوماسية الاقتصادية الأميركية بالمنطقة، وتعيد فتح ملف الشراكة التونسية–الأميركية في قطاع الطيران بعد سنوات من الفتور.
هذا التوجه برز بوضوح خلال افتتاح تظاهرة “Aviation Days” التي نظّمتها السفارة الأميركية بتونس بالشراكة مع وزارة النقل، حيث حضر وفد أميركي رفيع المستوى ضمّ ممثلين عن شركة بوينغ، مقابل حضور رسمي تونسي تقدّمه وزير النقل رشيد العامري وكبار مسؤولي الخطوط التونسية ، وديوان الطيران المدني والمطارات (OACA)، والإدارة العامة للطيران المدني.
رسالة أميركية مباشرة: الأعمال أولًا
السفير الأميركي الجديد لدى تونس، بيل بازي، لم يُخفِ الرهان الأميركي على قطاع الطيران، معتبرًا أن “الشركات الأميركية تمتلك حلولًا عملية ومبتكرة لسوق الطيران”، ومشدّدًا على ضرورة تعزيز الرؤية الاستراتيجية لتونس في هذا المجال والاستعداد لـ“أعمال الغد”، في إشارة واضحة إلى نقل التعاون من المستوى البروتوكولي إلى شراكات اقتصادية ملموسة.
الرسالة الأميركية جاءت متناغمة مع السياق الدولي، حيث تسعى واشنطن إلى إعادة تموقع شركاتها الصناعية الكبرى في الأسواق الناشئة، وتبدو تونس، بما تملكه من كفاءات بشرية وموقع جغرافي، خيارًا قابلًا للبناء عليه.
تونس تفتح الباب… بشروط المعايير الدولية
من جانبه، أكّد وزير النقل رشيد العامري استعداد الدولة التونسية لدعم الاستثمارات في مجال الطيران المدني، معتبرًا أن هذه التظاهرة تعكس عمق علاقات التعاون بين البلدين، لا سيما في مجالات البنية التحتية للمطارات، السلامة الجوية، والتعاون التقني والتجاري.
وشدّد الوزير على التزام تونس الصارم بمعايير المنظمة الدولية للطيران المدني (OACI)، خصوصًا في مجالات السلامة، الأمن، وحماية البيئة، كاشفًا عن العمل على استراتيجية وطنية شاملة لتطوير منظومة الطيران المدني تشريعيًا وتنظيميًا، إلى جانب تحديث البنية التحتية للمطارات وفق المعايير الدولية.
بوينغ وتونسair: عودة محتملة بعد قطيعة تقنية
خلف الكواليس، يبرز هدف أساسي للتحرك الأميركي: إعادة إدماج بوينغ في المشهد الجوي التونسي، وتحديدًا عبر شركة تونسair، بعد خروج آخر طائرة من طراز Boeing 737 من الخدمة قبل عامين، واعتماد الشركة حاليًا على أسطول موحّد من طائرات إيرباص.
ووفق معطيات متقاطعة، فإن وفد بوينغ لم يأتِ خالي الوفاض، بل حمل معه مقترحات تعاون متكاملة لا تقتصر على بيع الطائرات، بل تشمل:
- صيانة المحركات
- تكوين وتأهيل الطيارين والأطقم الفنية
- حلول تشغيلية وتقنية مرافقة
وهي عروض يصعب تجاهلها في ظل الوضعية الصعبة التي تمرّ بها الخطوط التونسية، الباحثة عن إعادة هيكلة حقيقية واستعادة قدرتها التنافسية.

معضلة التمويل… العقبة الكبرى
رغم الانفتاح السياسي والتقني، يبقى التمويل العائق الأكبر أمام أي توسّع فعلي لأسطول الخطوط التونسية أو إبرام صفقات كبرى. فالشركة العمومية تواجه قيودًا مالية معقّدة تجعل أي شراكة، مهما كانت جاذبيتها، رهينة حلول تمويلية مبتكرة وضمانات سيادية.
ومع ذلك، فإن دخول بوينغ على الخط، بدعم دبلوماسي أميركي مباشر، قد يفتح الباب أمام نماذج جديدة من التعاون، تشمل التمويل، التأجير، أو الشراكات التقنية طويلة المدى.
ما بعد التظاهرة: هل تتحول النوايا إلى استثمار؟
ما جرى في “Aviation Days” يتجاوز كونه حدثًا تقنيًا أو دبلوماسيًا؛ فهو مؤشر على محاولة أميركية منظمة لإعادة التموضع في قطاع حيوي بتونس، وعلى استعداد تونسي مبدئي للاستفادة من هذا التوجّه، شرط الحفاظ على السيادة والمعايير الدولية.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل تكون تونس مجرد سوق جديدة لبوينغ، أم منصة إقليمية لصناعة وخدمات الطيران الأميركية في شمال أفريقيا؟
الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.

