عتبر الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي أن قرار مجلس إدارة البنك المركزي التونسي، الصادر يوم 30 ديسمبر 2025، والقاضي بالتخفيض في نسبة الفائدة المديرية بـ50 نقطة أساس، يمثل تحوّلًا نسبيًا في توجه السياسة النقدية بعد فترة وصفها بـ«المفرطة في الحذر».
وأوضح الشكندالي أن هذا القرار يعكس اقتناعًا متأخرًا من البنك المركزي بأن السياسة النقدية السابقة أضرّت بمحركي النمو الأساسيين، وهما الاستثمار والتصدير، مشيرًا إلى أن مؤشرات النمو خلال الثلاثيات الثلاث الأولى من السنة الحالية تؤكد أن الاستهلاك الخاص ظلّ المحرّك الوحيد النشط للاقتصاد.
وبيّن الخبير أن التخفيض جاء في ظل هامش مريح بين نسبة الفائدة المديرية، التي بلغت 7.5 بالمائة قبل التخفيض، ونسبة التضخم المقدّرة بـ4.9 بالمائة، وهو ما يجعل نسبة الفائدة الحقيقية إيجابية، ولا يشجّع – وفق تقديره – العائلات التونسية على الاقتراض من أجل الاستهلاك. كما أشار إلى أن الاقتراض المباشر للدولة، في رأيه، لن تكون له تداعيات تضخمية فورية، باعتبار أن فترة الإمهال تمتد إلى ثلاث سنوات.
واعتبر الشكندالي أن القرار جاء متأخرًا نسبيًا، مرجّحًا أن يكون ذلك مرتبطًا بعدم اكتمال النصاب داخل مجلس إدارة البنك المركزي، لكنه وصفه في المقابل بالقرار الجيد والمفيد للتونسيين الذين لديهم قروض بنكية بنسبة فائدة متغيّرة، إذ سيساهم في تخفيض الأقساط الشهرية. كما رأى أنه من شأن هذا الإجراء أن يخفّض كلفة الاستثمار الخاص ويشكّل حافزًا إضافيًا للنمو الاقتصادي.
غير أن الخبير الاقتصادي شدّد على أن نسبة الفائدة في تونس، رغم هذا التخفيض، لا تزال من بين الأعلى عربيًا بعد مصر، وهو ما يجعلها – حسب تعبيره – غير مشجعة على الاستثمار، داعيًا إلى اتخاذ خطوات إضافية نحو التخفيض حتى تتحول السياسة النقدية من عامل منفّر إلى عامل محفّز للاستثمار.
وفي سياق متصل، انتقد الشكندالي ما اعتبره ازدواجية في السياسة النقدية، ملاحظًا أن البنك المركزي يسعى من جهة إلى تقليص السيولة عبر تشديد شروط الإقراض على العائلات التونسية، ومن جهة أخرى يواصل إقراض الدولة للمرة الثالثة على التوالي بمبالغ ضخمة تُقدّر بـ25 مليار دينار على امتداد ثلاث سنوات، دون فائدة وبفترة إمهال بثلاث سنوات.
وأشار إلى أن مبلغ الاقتراض المباشر المخصص لسنة 2025، والمقدّر بـ11 مليار دينار، يفوق نفقات الاستثمار العمومي التي لا تتجاوز 6.5 مليارات دينار، معتبرًا أن هذا التوجه يعني، في تقديره، تمويل نفقات استهلاكية للدولة بشروط ميسّرة، مقابل تشديد شروط الإقراض على العائلات.
وختم الشكندالي بالتساؤل عمّا إذا كانت هذه المقاربة تمثل «سياسة المكيالين»، تقوم على سياسة نقدية حذرة تجاه العائلات التونسية مقابل تيسير كمي لفائدة الدولة، معتبرًا أن كلا النوعين من الاقتراض ينتهي في المحصلة إلى تمويل الاستهلاك.

