سلّط تقرير صحفي الضوء على الأوضاع البيئية والصحية بمدينة قابس جنوب تونس، مؤكدًا أن التلوث الصناعي لم يعد يقتصر على أسوار المصنع، بل بات يتسلل إلى المنازل ويؤثر في صحة النساء والأطفال، في واحدة من أخطر الأزمات البيئية في البلاد.
وجاء في التقرير، الذي نشره موقع Washington Report on Middle East Affairs بقلم الصحفية التونسية رحاب عمري، أن مدينة قابس، الواقعة على بعد 365 كيلومترًا جنوب العاصمة تونس، تُعدّ الواحة الساحلية الوحيدة على البحر الأبيض المتوسط، غير أنها تواجه منذ عقود تحديات بيئية خطيرة نتيجة النشاط الصناعي، خصوصًا منذ إنشاء المجمع الكيميائي التونسي سنة 1972.
وأشار التقرير إلى أن انبعاثات الغازات ومخلّفات الفوسفوجيبس تسربت عبر السنوات إلى الهواء والبحر والتربة، ما أدى إلى تدهور المنظومات البيئية، وتراجع الثروة السمكية، وإلحاق أضرار بالأراضي الزراعية. كما يعاني عدد من السكان من أمراض تنفسية وجلدية، إضافة إلى تسجيل حالات سرطان، وفق شهادات محلية.
معاناة يومية في شط السلام
وركز التحقيق على منطقة شط السلام، القريبة من وحدات معالجة الفوسفات، حيث تضطر العائلات – خاصة النساء – إلى إغلاق النوافذ بشكل يومي تحسبًا لانبعاثات الغاز غير المنتظمة. ونقل التقرير شهادات لسكان يؤكدون أن الهواء الثقيل أصبح جزءًا من الروتين اليومي، وأن الأطفال يعانون من السعال وضيق التنفس المتكرر.
كما أورد شهادات لأمهات تحدثن عن حالات اختناق جماعية وقعت في سبتمبر وأكتوبر 2025، حيث سقط أكثر من 100 شخص، أغلبهم أطفال، بسبب صعوبات في التنفس ودوار، بحسب ما نقل التقرير عن Middle East Research and Information Project (MERIP). وأكدت ممرضات بالمستشفى الجهوي بقابس وجود نقص في أسطوانات الأكسجين، ما يضطر المرضى أحيانًا إلى التوجه لمدينة صفاقس لتلقي العلاج.
احتجاجات وشعارات “أوقفوا التلوث”
وتطرق التقرير إلى احتجاجات شهدتها قابس في 8 أكتوبر 2025 تحت شعار “أوقفوا التلوث”، حيث طالب المحتجون بإغلاق المجمع الكيميائي التونسي، معتبرين أنه المسؤول عن تدهور البيئة والصحة العامة. وأشار إلى أن الاحتجاجات قوبلت بالتفريق، قبل أن تتوقف لاحقًا بقرارات قضائية، في حين استمر النشاط الصناعي.
أعباء غير مرئية على النساء
واعتبرت الكاتبة أن العبء الأكبر يقع على النساء، اللواتي يتحملن مسؤولية رعاية الأطفال المرضى، ومتابعة الدراسة المتقطعة بسبب الأزمات الصحية، والتأقلم مع واقع التلوث المزمن. وخلص التقرير إلى أن الأزمة لم تعد مسألة بيئية فحسب، بل أصبحت تؤثر في المسارات التعليمية والفرص المستقبلية للأطفال، وتعيد تشكيل الحياة اليومية في المدينة.
ويذكر أن رحاب عمري صحفية تونسية وأستاذة لغة إنجليزية ومترجمة أفلام، ولها أبحاث حول دور الصحفيات العربيات في مواجهة الصور النمطية الجندرية في الإعلام.

