صدر أمس الفصل السادس من “أطلس 2026” لمركز الحرية والازدهار، مخصصًا لتحليل وضع الحرية والازدهار في تونس ضمن دراسة مقارنة شملت عشر دول، مستندًا إلى قاعدة بيانات تمتد على ثلاثين عامًا من التطورات السياسية والاقتصادية والقانونية. ويخلص التقرير إلى أن مستقبل الاستقرار في تونس يمر حتمًا عبر مسار مزدوج: تعزيز المؤسسات الديمقراطية وضمان استقلال القضاء، بالتوازي مع إصلاحات اقتصادية عميقة تكسر الاحتكار وتحرر الاستثمار.
قفزة سياسية غير مكتملة
يرى التقرير أن مسار تونس منذ عقود يُقدَّم عادة كسردية “قطيعة”: استقرار سلطوي في عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي (1987-2011)، أعقبته طفرة ديمقراطية بعد ثورة 2011، ثم انتكاسة حادة بداية من 25 جويلية 2021.
وتُظهر بيانات “مؤشر الحرية والازدهار” أن التحسن بعد 2011 كان سياسيًا بالأساس، مع توسع ملحوظ في الحريات والحقوق المدنية وتبني دستور 2014 الذي كرس الفصل بين السلطات والتعددية. غير أن الإصلاحات القانونية والاقتصادية لم تواكب هذا النسق، ما خلق فجوة بين الانفتاح السياسي والواقع المعيشي.
ويشير التقرير إلى أن غياب المحكمة الدستورية، وتعثر مسار العدالة الانتقالية، والصراع بين خيار المحاسبة أو “طي الصفحة”، كلها عوامل أضعفت صلابة الانتقال الديمقراطي. كما أن الصدمات الأمنية، خاصة هجمات 2015 الإرهابية في باردو وسوسة، عمّقت هشاشة الاقتصاد وضربت قطاع السياحة الحيوي.
25 جويلية وتحول موازين السلطة
بحسب التقرير، مثّل 25 جويلية 2021 نقطة انعطاف حاسمة، مع تعليق عمل البرلمان ثم حله، وإعادة تركيز السلطة التنفيذية. ورغم استمرار تنظيم الانتخابات، فإن القواعد الجديدة حدّت من دور الأحزاب وأضعفت التنافس السياسي، ما أثّر على جوهر التعددية.
كما سجّل المؤشر تراجعًا كبيرًا في استقلال القضاء بعد أن كان من أبرز مكاسب ما بعد 2011، مع تضييق متزايد على القضاة والمحامين، وارتفاع تقارير الإيقافات التعسفية وانتهاكات داخل السجون.
ازدهار بطيء لا يواكب التطلعات
على مستوى “مؤشر الازدهار”، يكشف التقرير أن التحولات السياسية لم تُترجم إلى طفرة اقتصادية. فقد ظل النمو ضعيفًا، واستمرت البطالة المرتفعة، خصوصًا في صفوف الشباب وخريجي الجامعات. كما بقيت الفوارق الجهوية بين الساحل والداخل راسخة.
ويؤكد أن الثورة حملت وعدًا ضمنيًا بربط الحرية بالكرامة الاقتصادية، غير أن ضعف الاستثمار، وتراجع السياحة، والضغوط المالية، وغياب إصلاحات هيكلية واضحة، كلها عوامل غذّت الشعور بأن الديمقراطية لم تحسن الظروف المعيشية.
كما يلفت التقرير إلى تآكل القدرة الشرائية نتيجة التضخم، وارتفاع الأسعار، ونقص بعض المواد الأساسية والأدوية بسبب شح العملة الصعبة، ما يزيد من احتمالات الاحتقان الاجتماعي.
دعوة لإصلاح مزدوج: السوق والمؤسسات
يشدد التقرير على أن “الحرية وحدها لا تكفي لتحقيق الازدهار، كما أن الازدهار لا يضمن الحرية”. ويقترح مسارًا إصلاحيًا يرتكز على:
- 1.كسر الاحتكار وتعزيز المنافسة في الأسواق لضمان الابتكار وخلق فرص عمل جديدة.
- 2.تسهيل الاستثمار المحلي والأجنبي عبر إزالة الحواجز البيروقراطية وتوفير بيئة قانونية شفافة.
- 3.تنويع الشراكات التجارية والانفتاح على الأسواق الأوروبية والأفريقية لزيادة التنافسية.
- 4.تطوير الطاقات المتجددة مثل الطاقة الشمسية والرياح لتقليل الاعتماد على واردات النفط والغاز.
- 5.تعزيز استقلال القضاء والمؤسسات لضمان حماية الحقوق الاقتصادية والسياسية وإرساء الثقة لدى المستثمرين والمواطنين.
- 6.إصلاح شامل للحوكمة والسياسات الاجتماعية لرفع القدرة الشرائية، خفض البطالة، وتحقيق العدالة المجالية.
ويحذر التقرير من أن تراكم المظالم الاقتصادية في ظل انكماش الفضاء السياسي قد يؤدي إلى مزيد من الاضطرابات، مشيرًا إلى تصاعد وتيرة الاحتجاجات خلال 2025 وبداية 2026، بما في ذلك إضرابات وطنية.
عقد اجتماعي جديد
يخلص “أطلس 2026” إلى أن تونس تحتاج إلى عقد اجتماعي جديد يربط بين توسيع الفرص الاقتصادية وتعزيز الصوت السياسي، بحيث ينعكس النمو على جودة التشغيل وتوزيع الدخل والخدمات العامة، لا أن يظل حكرًا على النخب.
ويرى معدّو التقرير أن تحقيق التوازن بين الإصلاح الاقتصادي والانفتاح السياسي هو الشرط الوحيد لضمان استقرار طويل الأمد وتنمية مستدامة تلبي تطلعات التونسيين في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
—
أعدّت الفصل الخاص بتونس الدكتورة آمنة مهرز، أستاذة مساعدة في العلوم السياسية بكلية ويليام وماري وزميلة غير مقيمة ببرنامج الشرق الأوسط في كلية كينيدي بجامعة هارفارد.

