دعا الخبير البيئي حمدي حشاد إلى فتح حوار هادئ وعقلاني بعيدًا عن التشنج والعواطف في النقاش الدائر حول قانون الطاقات المتجددة في تونس، معتبرًا أن الملف لم يعد مجرد نقاش تقني، بل تحول إلى قضية سيادية بامتياز بين من يراه فرصة تاريخية لتعزيز الاستقلال الطاقي، ومن يخشى أن يتحول إلى شكل جديد من “الاحتلال الطاقي”.
وأوضح حشاد أن تونس تعيش سنة 2026 واحدة من أضعف مراحل الاستقلالية الطاقية في تاريخها الحديث، حيث تراجعت نسبة الاستقلال الطاقي إلى حدود 40 إلى 41 بالمائة فقط، بما يعني أن أكثر من نصف حاجيات البلاد من الطاقة يتم استيرادها من الخارج، مشيرًا إلى أن الاعتماد على التوريد في قطاع الغاز، الذي يمثل العمود الفقري لإنتاج الكهرباء، تجاوز 70 بالمائة.
وبيّن أن هذا التدهور يعود إلى التراجع المستمر في الإنتاج المحلي من النفط و الغاز مقابل ارتفاع الطلب الداخلي، وهو ما انعكس بشكل مباشر على العجز الطاقي خلال السنوات الأخيرة، حيث سجلت تونس سنة 2024 عجزًا قياسيًا تجاوز 10.7 مليار دينار مع استقلالية طاقية في حدود 41 بالمائة، ثم تراجعت سنة 2025 إلى نحو 39 بالمائة مع انخفاض نسبة تغطية الصادرات للواردات إلى 76.6 بالمائة، قبل أن يتجاوز العجز الطاقي سنة 2026 حاجز 11 مليار دينار مع تراجع نسبة التغطية إلى 74.5 بالمائة، وارتفاع العجز في الطاقة الأولية بحوالي 9 بالمائة منذ بداية السنة.
وأكد أن هذا الواقع يعكس فقدان تونس التدريجي لسيادتها الطاقية، ليس بسبب المشاريع الخارجية، بل نتيجة نقص الإنتاج المحلي وتزايد التبعية للغاز المستورد.
وفي هذا السياق، شدد حشاد على أن الطاقات المتجددة ليست مشروع “احتلال”، بل مشروع “تحرر”، لأنها تعتمد على موارد محلية بالكامل مثل الشمس والرياح، بما يسمح بتقليص الارتهان لتقلبات أسعار الغاز العالمية والتوترات الجيوسياسية، وربط إنتاج الطاقة بالإمكانات الجغرافية التونسية.
وأضاف أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في الفكرة ذاتها، بل في طريقة تنفيذها، خاصة عندما ترتبط المشاريع الكبرى بشركات أجنبية أو بتصدير الكهرباء والهيدروجين الأخضر إلى الخارج، وهو ما يثير مخاوف من إنتاج الطاقة داخل تونس مع خروج القيمة المضافة الحقيقية منها.
وأشار إلى أن هذا السيناريو ليس حتميًا، بل يتوقف على القانون والإطار التنظيمي، من خلال فرض نسب إدماج محلي، وضمان أولوية تلبية الاستهلاك الداخلي قبل التصدير، ونقل التكنولوجيا والمعرفة، وتمكين المواطن والمؤسسات المحلية من النفاذ إلى الطاقة المنتجة.
وقال إن الإجابة الإيجابية عن هذه الشروط تجعل الطاقات المتجددة أداة لتعزيز السيادة الوطنية، أما غيابها فقد يحولها إلى شكل جديد من التبعية، معتبرًا أن المشكلة ليست في الطاقات المتجددة، بل في الحوكمة.
وانتقد حشاد ما وصفه بالشعبوية في إدارة هذا الملف، مؤكدًا أن الشعبوية لا تصنع استقلالية، بل تعمق الأزمة الاقتصادية وتؤدي إلى مزيد من التبعية، كما تخلق مناخًا طاردًا للاستثمار وتعطل الإصلاحات، من خلال تحويل النقاش إلى تخوين واحتكار للوطنية وتصوير كل رأي مخالف وكأنه ضد مصلحة البلاد.
وختم بالتأكيد على أن الاستقلالية الطاقية لا تُبنى بالشعارات، بل بالقوانين الواضحة والشفافية وإدارة الاختلاف بشكل عقلاني، معتبرًا أن تونس تقف اليوم أمام خيارين: إما مواصلة النموذج الحالي القائم على التوريد والعجز المتفاقم بما يقود إلى الإفلاس، أو الدخول في انتقال طاقي حقيقي قائم على الإنتاج المحلي والتنويع وتقليص المخاطر.
وأشار إلى أن القانون الجديد يمكن أن يكون بداية هذا التحول، شرط أن يقوم على سيادة القرار، وعدالة التوزيع، واستراتيجية طويلة المدى تخدم مصلحة تونس أولًا، مؤكدًا أن السؤال الحقيقي ليس “مع أو ضد الطاقات المتجددة”، بل “من يتحكم فيها؟ ولصالح من؟”.

