أثارت بعض التقارير الإعلامية في الآونة الأخيرة تساؤلات حول ما إذا كانت الولايات المتحدة قد خفّضت مستوى تمثيلها الدبلوماسي في الجزائر، وذلك على خلفية استمرار شغور منصب السفير الأمريكي في الجزائر بعد مغادرة السفيرة إليزابيث مور أوبين في جانفي 2026 وتعيين قائم بالأعمال بالنيابة . غير أن التدقيق في المعطيات الرسمية والإجراءات الدستورية الأمريكية يُظهر أن الأمر لا يتعدى كونه مرحلة انتقالية إدارية، لا تحمل في طياتها أي دلالات سياسية سلبية تجاه الجزائر.
آلية التعيين الأمريكية: مسار طويل ومعقّد
في النظام السياسي الأمريكي، لا يُعيَّن السفير بقرار رئاسي مباشر ونهائي. فالرئيس يرشّح، لكن التعيين لا يصبح نافذًا إلا بعد مصادقة مجلس الشيوخ. وهذه الآلية كثيرًا ما تؤدي إلى تأخير تثبيت السفراء، خصوصًا في فترات الانتقال بين الإدارات أو عند نهاية الدورات التشريعية.
بالنسبة للجزائر، رشّحت إدارة الرئيس جو بايدن الدبلوماسي المخضرم جوشوا هاريس لمنصب سفير الولايات المتحدة لدى الجزائر. غير أن مسار تثبيته لم يُستكمل قبل انتهاء الدورة التشريعية، ما أدى إلى إعادة الترشيح إلى البيت الأبيض وفقًا للوائح الداخلية لمجلس الشيوخ الأمريكي. وهذا إجراء تقني يحدث بشكل دوري في واشنطن، ولا يعني رفضًا سياسيًا للمرشح أو للبلد المعني.
تحويل هاريس إلى العراق: إعادة ترتيب أولويات لا رسالة سياسية
لاحقًا، تم توجيه جوشوا هاريس إلى مهمة أخرى، حيث تولى منصب القائم بالأعمال في سفارة الولايات المتحدة ببغداد منذ سبتمبر 2025. هذا القرار يعكس إعادة توزيع للكفاءات الدبلوماسية وفق أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، خصوصًا في منطقة الشرق الأوسط التي تشهد تحولات أمنية وسياسية متسارعة.
وبالتالي، فإن عدم توجه هاريس إلى الجزائر لا يرتبط بعلاقة واشنطن بالجزائر، بل بترتيبات داخلية أمريكية تخص إدارة التعيينات وتحديد الأولويات الإقليمية. لو كانت هناك رسالة سياسية سلبية، لرافقتها مؤشرات أخرى مثل استدعاء السفير أو خفض رسمي لمستوى البعثة أو تصريحات رسمية ناقدة — وهو ما لم يحدث.
القائم بالأعمال: ممارسة دبلوماسية طبيعية
في الوقت الراهن، تُدار السفارة الأمريكية في الجزائر بواسطة قائم بالأعمال بالنيابة وهو إجراء دبلوماسي معتمد عالميًا عند شغور منصب السفير. هذا لا يُعد خفضًا في التمثيل، بل صيغة مؤقتة تضمن استمرارية العمل الدبلوماسي إلى حين تعيين سفير جديد.
ومن المهم التذكير بأن العديد من السفارات الأمريكية حول العالم تُدار لفترات متفاوتة عبر قائمين بالأعمال، خصوصًا في سنوات التغيير السياسي داخل الولايات المتحدة. وبالتالي، فإن الحالة الجزائرية ليست استثناءً.
العلاقات الثنائية: الاستمرارية هي القاعدة
عمليًا، لم تتأثر قنوات التعاون بين الجزائر وواشنطن، سواء في المجالات الأمنية أو الاقتصادية أو السياسية. ولم يصدر عن وزارة الخارجية الأمريكية أو البيت الأبيض أي إعلان يشير إلى مراجعة سلبية للعلاقة مع الجزائر.
في الدبلوماسية، تُقرأ الرسائل من خلال القرارات الرسمية المعلنة أو الإجراءات الاستثنائية. أما ما يجري اليوم في الجزائر، فهو ضمن المسار الإداري الطبيعي للبعثات الأمريكية.
لا توجد مؤشرات رسمية على أن الولايات المتحدة خفّضت تمثيلها الدبلوماسي في الجزائر. ما يحدث هو فراغ مؤقت في منصب السفير نتيجة تعقيدات إجرائية داخل النظام الأمريكي، ترافق مع إعادة توجيه المرشح السابق إلى مهمة أخرى في العراق.

