أثار مشهد وصول مياه البحر إلى محيط شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة موجة واسعة من التفاعل والقلق في صفوف التونسيين، باعتبار رمزية المكان السياسية والاقتصادية والتاريخية. فقد بدا المشهد صادمًا للكثيرين، وطرح تساؤلات جدية حول طبيعة التحولات المناخية والعمرانية التي تشهدها البلاد.
وفي هذا السياق، أوضح الخبير البيئي حمدي حشاد أن ما حدث لا يمكن اعتباره حادثة معزولة أو ظرفًا استثنائيًا عابرًا، بل هو نتيجة تفاعل جملة من العوامل الطبيعية والمناخية مع واقع عمراني هشّ. وأشار إلى أن انخفاض الضغط الجوي بالتزامن مع عواصف قوية، إضافة إلى الارتفاع التدريجي في مستوى سطح البحر، يمكن أن يؤدي إلى ظاهرة تُعرف بـ”المدّ العاصفي”، حيث تندفع مياه البحر نحو الداخل، خاصة في المناطق الساحلية التي تفتقر إلى الحواجز الطبيعية أو التهيئة البيئية الملائمة.
وبيّن حشاد أن هذا الحدث يعكس ما يُعرف بمفهوم “الذكاء الإيكولوجي”، وهو مفهوم طوّره عالم النفس دانيال غولمان، ويقوم على فهم العلاقة العميقة بين السلوك البشري اليومي والمنظومات البيئية المحيطة. وأكد أن الأمر لا يتعلق فقط بتغير المناخ، بل كذلك باختيارات التوسع العمراني، وردم السواحل، وأنماط التنمية والاستهلاك التي تؤثر بدورها في توازن الأنظمة الطبيعية.
وأضاف الخبير البيئي أن الصدمة التي أحدثها المشهد يمكن أن تتحول إلى فرصة لإعادة التفكير في طريقة التخطيط الحضري، داعيًا إلى تبني سياسات تقوم على دمج الحلول القائمة على الطبيعة، وتعزيز قدرة المدن الساحلية على التكيّف مع التحولات المناخية، من بنزرت شمالًا إلى صفاقس والجنوب.
وشدد حمدي حشاد على أن العلاقة بين المدينة والبحر لم تعد كما كانت في السابق، وأن المرحلة المقبلة تقتضي وعيًا جماعيًا جديدًا يترجم إلى سياسات عملية وسلوكيات مسؤولة، معتبرًا أن ما حدث يمثل رسالة واضحة بضرورة مراجعة أنماط التنمية وتعزيز مقومات الصمود البيئي في المدن التونسية.

