رغم تسجيل تونس فوائض تجارية مهمة مع عدد من شركائها الأوروبيين والإقليميين، تكشف بيانات وزارة التجارة لسنة 2025 عن مفارقة مقلقة: الصين تحولت إلى الثقب الأسود الأكبر في الميزان التجاري التونسي، مستنزفة وحدها أكثر من عشرة مليارات دينار.
عجز غير مسبوق… الصين في الصدارة
بلغ العجز التجاري لتونس مع الصين خلال سنة 2025 حوالي 10.9 مليارات دينار، وهو أعلى عجز مسجّل مع أي شريك تجاري، متقدماً بفارق شاسع على الجزائر وروسيا والهند. هذا الرقم لا يمثل مجرد خلل ظرفي، بل يعكس اختلالاً هيكلياً عميقاً في طبيعة المبادلات بين البلدين.
فالاقتصاد التونسي يستورد من الصين كميات ضخمة من السلع الاستهلاكية، والمعدات الكهربائية، ومواد البناء، وقطع الغيار، في حين تبقى الصادرات التونسية نحو السوق الصينية محدودة جداً وضعيفة القيمة المضافة.
فوائض مع أوروبا… لكن لا تكفي
في المقابل، حققت تونس فوائض معتبرة مع شركاء تقليديين مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا، إضافة إلى ليبيا والمغرب، إلا أن هذه الفوائض، مجتمعة، لا تعوض النزيف المتواصل الناتج عن المبادلات مع الصين.
فالرقم الصيني وحده كفيل بابتلاع جزء كبير من المكاسب المحققة مع الاتحاد الأوروبي، ما يطرح تساؤلات جدية حول نجاعة التوازن الجغرافي للتجارة الخارجية التونسية.
آسيا: شراكة غير متكافئة
ولا يقتصر الخلل على الصين فقط، إذ أظهرت بيانات وزارة التجارة أن المبادلات مع الدول الآسيوية ككل أسفرت عن عجز تجاري ضخم ناهز 15.3 مليار دينار خلال سنة 2025. وتؤكد هذه المعطيات أن تونس ما تزال تتعامل مع آسيا من موقع المستهلك أكثر من موقع الشريك المنتج أو المصدّر.
هل تدفع تونس ثمن الانفتاح غير المشروط؟
يعيد هذا الوضع إلى الواجهة الجدل حول سياسة الانفتاح التجاري غير المتوازن، حيث استفادت المنتجات الصينية من سهولة النفاذ إلى السوق التونسية، في ظل غياب حماية ذكية للصناعة المحلية، وضعف استراتيجيات التصدير نحو الأسواق الآسيوية الكبرى.
كما يطرح الخبراء تساؤلات حول فعالية الاتفاقيات التجارية، ومدى قدرة تونس على تحويل علاقاتها الاقتصادية مع الصين من علاقة استيراد مكثف إلى شراكة صناعية حقيقية تقوم على الاستثمار ونقل التكنولوجيا والتصنيع المشترك.
ما البدائل الممكنة؟
يرى مختصون أن الحد من تفاقم العجز مع الصين يمر عبر:
- إعادة توجيه جزء من الواردات نحو الإنتاج المحلي
- تشجيع الاستثمارات الصينية الموجهة للتصدير من تونس
- فتح السوق الصينية أمام المنتجات التونسية ذات القيمة العالية (زيت الزيتون، التمور، الصناعات الغذائية)
- مراجعة أدوات الرقابة التجارية دون المساس بالتزامات تونس الدولية
تكشف أرقام 2025 حقيقة واضحة: الصين تبتلع الميزان التجاري التونسي، وتحوّله إلى معادلة خاسرة، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى كل دينار من العملة الصعبة. وبين فوائض محدودة هنا وعجز ضخم هناك، يبقى السؤال مطروحاً:
هل تملك تونس الجرأة لإعادة ضبط بوصلتها التجارية قبل فوات الأوان؟

