أعلنت المحكمة الدستورية الإيطالية أنها ستصدر حكمًا مؤيدًا للحكومة بشأن قانونها المثير للجدل الصادر سنة 2025، والذي يقيّد منح الجنسية للأشخاص المولودين خارج إيطاليا. وكان هذا القانون قد صدر في مارس الماضي بموجب مرسوم طارئ، وطعن فيه أربعة قضاة شككوا في دستوريته.
لكن بعد انعقاد أولى جلسات الاستماع الأربع يوم الأربعاء، أشار بيان صادر عن المحكمة إلى أنها تميل إلى دعم موقف الحكومة.
وجاء في البيان:
«أعلنت المحكمة الدستورية أن الأسئلة المتعلقة بشرعية الدستور التي طرحتها محكمة تورينو غير قائمة جزئيًا وغير مقبولة جزئيًا».
ومن المتوقع أن يصدر الحكم التفصيلي خلال الأسابيع المقبلة.
ويمثل هذا الإعلان ضربة قاسية لأولئك الذين كانوا يأملون أن تتمسك المحكمة بتاريخ إيطاليا الممتد 160 عامًا في منح الجنسية على أساس النسب، أو ما يعرف بمبدأ حق الدم .
وقال أستاذ القانون كورادو كاروسو، أحد المحامين الذين طعنوا في القانون الجديد، لشبكة CNN:
«كان تدخلاً واضحًا وقاسيًا للغاية، لذلك كنت آمل أن يُعتبر مخالفًا لبعض النقاط الدستورية، لكن المحكمة لم تعترف بذلك».
علاقة الجنسية بالهجرة الإيطالية
ارتبطت قوانين الجنسية الإيطالية تاريخيًا بظاهرة الهجرة الجماعية للإيطاليين منذ تأسيس الدولة.
ففي السابق كان بإمكان الإيطاليين الذين يهاجرون إلى الخارج نقل جنسيتهم إلى أبنائهم، طالما أنهم لم يتخلوا عنها أو يفقدوها، وهو ما كان يحدث أحيانًا عند اكتساب جنسية أخرى.
لكن ما يُعرف اليوم ببلد “الدولتشي فيتا” (الحياة الجميلة) كان في الماضي دولة فقيرة؛ إذ بين عامي 1861 و1918 هاجر نحو 16 مليون إيطالي بحثًا عن حياة أفضل.
وكثير من هؤلاء المهاجرين اعتبروا أنفسهم إيطاليين مدى الحياة، فاحتفظوا بجنسيتهم رغم إقامتهم في الخارج، ما أدى إلى انتقال الجنسية والتقاليد الثقافية عبر الأجيال.
تطور قوانين الجنسية
تم ترسيخ مبدأ حق الدم سنة 1865، ثم تأكد مرة أخرى في أول قانون خاص بالجنسية عام 1912، الذي نص على أن الإيطاليين المولودين والمقيمين في الخارج يحتفظون بجنسيتهم.
كما أعيد تأكيد ذلك في قانون آخر صدر عام 1992.
لكن قانونًا جديدًا صدر في 28 مارس 2025 بمرسوم طارئ نصّ على أن الاعتراف بالجنسية سيقتصر على الأشخاص الذين لديهم أب أو جد وُلد في إيطاليا.
كما فرض القانون قيودًا على ازدواج الجنسية في صفوف أبناء الجاليات، إذ يشترط أن يكون الأب أو الجد يحمل الجنسية الإيطالية فقط عند ولادة الابن أو عند وفاته إن كانت الوفاة سابقة.
إجراءات معقدة للحصول على الجنسية
لطالما اشتكى الكثيرون من تعقيد إجراءات الحصول على الجنسية الإيطالية عبر النسب.
فالأشخاص المولودون خارج البلاد مطالبون بجمع وثائق الميلاد والزواج والوفاة الخاصة بأسلافهم من بلداتهم الأصلية في إيطاليا، وهو ما قد يستغرق سنوات ويكلف نحو 300 يورو لكل وثيقة.
كما يجب إثبات أن أي فرد في سلسلة النسب لم يفقد الجنسية الإيطالية، ثم الحصول على موعد في القنصلية، حيث قد تصل قوائم الانتظار إلى 10 سنوات.
وقد يلجأ البعض إلى توكيل محامين لمقاضاة الدولة لتسريع العملية، لكن التكاليف قد تصل إلى عشرات آلاف اليوروهات للعائلة الواحدة.
ومن العقبات الأخرى أن النساء لم يكنّ قادرات على نقل الجنسية إلى أبنائهن قبل عام 1948، ما يعني أن أبناء الإيطاليات اللواتي أنجبن قبل ذلك التاريخ كانوا محرومين من الاعتراف بالجنسية. ومنذ عام 2009 نجح كثيرون في الطعن في ذلك أمام القضاء بتهمة التمييز، لكن القانون الجديد قد يغلق هذا الباب أيضًا.
ضغط متزايد على النظام
تشهد المحاكم الإيطالية آلاف القضايا المتعلقة بالجنسية، بينما تغرق القنصليات بطلبات التقديم.
وبين عامي 2014 و2024 ارتفع عدد المواطنين الإيطاليين المقيمين في الخارج من 4.6 ملايين إلى 6.4 ملايين شخص، وفق وزارة الخارجية الإيطالية.
وفي الأرجنتين وحدها، عالجت القنصليات الإيطالية 30 ألف طلب جنسية عام 2024، بزيادة عشرة آلاف طلب مقارنة بالعام السابق.
ويرى أستاذ القانون كاروسو أن منح الجنسية أصبح يُنظر إليه كمشكلة لعدة أسباب، منها كثرة الطلبات، وضعف ارتباط بعض الأحفاد بإيطاليا، إضافة إلى اعتبارات سياسية وجيوسياسية، لأن حاملي الجواز الإيطالي يستطيعون التنقل بحرية حول العالم.
مفارقة ديمغرافية
يأتي هذا التشدد في وقت تواجه فيه إيطاليا تراجعًا سكانيًا وشيخوخة متزايدة.
ففي عام 2024 غادر البلاد 155,732 إيطاليًا في رقم قياسي، بينما غادر أكثر من نصف مليون شخص البلاد بين 2020 و2024.
وكانت بعض المناطق، خصوصًا في صقلية، تحاول جذب أبناء الجاليات الإيطالية للعودة والاستقرار، بل واستقطاب أطباء من أصول إيطالية في الأرجنتين للعمل في المستشفيات المحلية. لكن مثل هذه المبادرات قد تصبح صعبة بعد القيود الجديدة على الجنسية.
معركة قانونية مستمرة
قرارات المحكمة الدستورية في إيطاليا غير قابلة للاستئناف، لكن بعض المحامين لا يزالون يأملون في تغيير الوضع.
وقال المحامي ماركو ميلوني إن القانون الجديد ليس بالضرورة نهائيًا، مشيرًا إلى أن محاكم أخرى قد تحيله مجددًا إلى المحكمة الدستورية أو حتى إلى محكمة العدل الأوروبية.
وأضاف:
«هذا يوم حزين لملايين الأشخاص، لكن المعركة لم تنته بعد. ربما خسرنا معركة، لكن الحرب لم تنته».

