اقتربت “ساعة القيامة” الرمزية من منتصف الليل إلى مسافة غير مسبوقة، بعدما أعلن علماء “نشرة علماء الذرّة” ضبطها عند 85 ثانية فقط قبل “نقطة الصفر”، في دلالة على تصاعد المخاطر الوجودية التي تواجه البشرية. وجاء القرار، الذي أُعلن خلال مؤتمر صحافي في واشنطن، انعكاساً لعام حافل بالحروب، وتعثر الجهود المناخية، وتسارع التطورات التكنولوجية المثيرة للقلق.
وتُعد هذه القراءة الأشد تشاؤماً منذ إطلاق الساعة عام 1947 على يد مجموعة من العلماء المرتبطين بمشروع القنبلة الذرية، ضمن إطار مؤسسة غير ربحية حملت لاحقاً اسم “نشرة علماء الذرّة”. ومنذ ذلك الحين، تحوّلت الساعة إلى مقياس رمزي لحالة الأمن العالمي، تُقدَّم قراءته سنوياً استناداً إلى تقييم خبراء في مجالات السلاح النووي والمناخ والتكنولوجيا.
وأوضحت “نشرة علماء الذرّة” أن تقديم العقارب أربع ثوانٍ مقارنة بالعام الماضي جاء نتيجة تداخل عوامل خطرة، أبرزها تصاعد التوتر بين القوى النووية، واستمرار الفشل الدولي في كبح تغيّر المناخ، وتنامي الاعتماد على تقنيات قد تخرج عن السيطرة، مثل الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى توسّع أنماط الحكم السلطوي وتراجع التعاون متعدد الأطراف.
وقالت ألكسندرا بيل، رئيسة ومديرة النشرة، في تصريحات نقلتها صحيفة “نيويورك تايمز” إن “المخاطر الكارثية تتزايد، والتعاون يتراجع، والوقت المتاح يضيق”، مضيفة أن “التغيير ضروري وممكن، لكن المجتمع الدولي مطالب بالضغط على قادته للتحرك بسرعة وبمسؤولية”، وفق ما نقلته “نيويورك تايمز”.
التحذير لقي صدى واسعاً لدى ناشطي نزع السلاح النووي، ولا سيما في اليابان، حيث ما تزال ذاكرة القصف الذري حاضرة في النقاش العام.
وقال هيديو أسانو، منسّق الحملة اليابانية لإلغاء الأسلحة النووية في طوكيو، إن “هذه إشارة إنذار واضحة بضرورة التحرك العاجل لتفادي كارثة عالمية”، محذراً من أن “خطر اندلاع حرب نووية هو الأعلى منذ نهاية الحرب الباردة”، بحسب الصحيفة.
وتعود جذور “ساعة القيامة” إلى أجواء الحرب الباردة، حين كان سباق التسلح النووي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي محور القلق العالمي. وشارك في تأسيسها علماء بارزون، بينهم ألبرت أينشتاين وروبرت أوبنهايمر. وقد ضُبطت عند سبع دقائق قبل منتصف الليل عند انطلاقها، ثم تغيّر توقيتها صعوداً وهبوطاً على مدى ما يقارب ثمانية عقود. وسجّلت أبعد مسافة عن “نقطة الصفر” عام 1991، عندما وصلت إلى 17 دقيقة، عقب توقيع معاهدة كبرى للحد من التسلح النووي قبيل انهيار الاتحاد السوفياتي.
لكن المسار العام منذ ذلك الحين اتخذ منحى تصاعدياً نحو الخطر، مع استثناءات محدودة، أبرزها تراجع طفيف عام 2010. وفي المقابل، شهد العالم منذ ذلك الوقت تجارب نووية جديدة، وفشلاً متراكماً في تنفيذ التعهدات المناخية، ما أسهم في إعادة تقديم العقارب تدريجياً، وفق ما أورده المصدر ذاته.
وأشار العلماء إلى أن قرار هذا العام استند إلى أحداث مفصلية شهدها عام 2025، من بينها دخول الحرب الروسية – الأوكرانية عامها الرابع، وسط اختبارات روسية لأسلحة قادرة على حمل رؤوس نووية، وتصاعد التوتر بين الهند وباكستان بما يسلّط الضوء على هشاشة التوازن بين قوتين نوويتين.
كما أُخذ في الاعتبار شن الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على مواقع نووية إيرانية، ومواصلة كوريا الشمالية توسيع ترسانتها النووية وتطوير صواريخ مصممة لحمل رؤوس نووية، بالتوازي مع تعزيز علاقاتها مع روسيا.
وفي السياق ذاته، لفت التقرير إلى زيادة الصين مخزونها من الرؤوس النووية، واقتراب انتهاء آخر اتفاق رئيسي للحد من التسلح بين واشنطن وموسكو، ما يهدد بإنهاء ستة عقود من القيود النووية بين القوتين الأكبر في هذا المجال.
على الصعيد التكنولوجي، عبّر الخبراء عن قلقهم من خطط أميركية لإطلاق نظام دفاع صاروخي يعتمد على منصات اعتراض فضائية، وهو ما يفتح الباب أمام عسكرة الفضاء. كما حذّروا من أخطار علمية ناشئة، من بينها تطوير خلايا مخبرية تُعرف بـ”الحياة المرآوية”، قد تحمل في حال تسربها مخاطر وبائية وبيئية جسيمة. وإلى ذلك، أُدرج التقدم السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي ضمن عوامل الخطر، في ظل مخاوف من استخدامها في تطوير أسلحة جديدة أو في تضليل الرأي العام على نطاق واسع.
أما في ملف المناخ، فقد سجّل متوسط حرارة الأرض ثالث أعلى مستوى في التاريخ، مع كوارث طبيعية مميتة، شملت فيضانات أودت بحياة عشرات الأشخاص في جمهورية الكونغو الديموقراطية، وموجات حر قتلت عشرات الآلاف في أوروبا.
وذكرت “نيويورك تايمز” أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أقدمت خلال العام الماضي على تفكيك عدد من القواعد البيئية والصحية، ما قلّص قدرة الولايات المتحدة على التعامل مع التهديدات المناخية والبيولوجية.
كما حذّرت “نشرة علماء الذرّة” من صعود ما وصفته بـ”الاستبداد القومي”، معتبرة أن تبنّي مقاربات تقوم على منطق الصراع الصفري بين “نحن” و”هم” يضاعف احتمالات الانزلاق إلى كوارث عالمية، حتى إن لم يكن هذا النمط من الحكم تهديداً وجودياً بحد ذاته.

