بعد صدور حكم من القضاء الفرنسي يرفع الحجز عن طائرة الخطوط التونسية راجت خلال الأيام الأخيرة معلومات على شبكات التواصل الاجتماعي تفيد بأن إحدى طائرات الخطوط التونسية من طراز Airbus A330 هي في طريقها للعودة إلى الخدمة، غير أن المعطيات القضائية المؤكدة تكشف صورة أكثر تعقيدًا، تُظهر أن الطائرة ما تزال عمليًا خارج الاستغلال، رغم صدور حكم برفع الحجز عنها جزئيًا.
حكم قضائي نهائي في فرنسا
أصدرت محكمة الاستئناف بمدينة بورج الفرنسية بتاريخ 12 ديسمبر 2025 حكمًا نهائيًا في نزاع قضائي شائك جمع شركة Lone Star Group Ltd الأمريكية من جهة، وشركة الخطوط التونسية وفرعها Tunisair Technics من جهة أخرى، وذلك على خلفية خلاف مالي يتعلق بعقود صيانة محركات طائرات وحجز تحفظي شمل طائرة ومحركين.
وقضت المحكمة برفع الحجز التحفظي عن هيكل طائرة Airbus A330-200 المسجلة تحت رقم TS-IFM، والمركونة منذ أكثر من تسعة أشهر بمطار شاتورو الفرنسي، لتعود الطائرة من حيث المبدأ تحت السيطرة القانونية للخطوط التونسية.
غير أن المحكمة قررت في المقابل الإبقاء على الحجز التحفظي على محرّكين من نوع Rolls-Royce Trent 772B-60، معتبرة أن المحركات تُعد أصولًا مستقلة قانونيًا عن الطائرة، وأن النزاع المالي القائم يبرر استمرار حجزها.
جذور النزاع: عقود صيانة غير مسدّدة
وتعود أطوار القضية إلى عقود أُبرمت في مارس 2018 بين الخطوط التونسية وشركة Lone Star، أوكلت بموجبها الأخيرة صيانة ستة محركات من طراز CFM56، على أن يتم تنفيذ الأشغال فعليًا عبر شركة Lockheed Martin Canada.
وبعد إنجاز عمليات الصيانة بين سنتي 2018 و2019، أصدرت Lone Star فواتير نهائية في ماي 2019 بقيمة إجمالية تجاوزت 44 مليون دولار، قامت الخطوط التونسية بسداد نحو 25.7 مليون دولار منها، في حين بقي مبلغ متنازع عليه يناهز 18.7 مليون دولار.
وفي ظل تعثّر الخلاص، تحصّلت الشركة الأمريكية في ماي 2025 على إذن قضائي بفرض حجز تحفظي شمل:
- طائرة Airbus A330-243 (TS-IFM)
- محرّكين من نوع Rolls-Royce Trent
تفاصيل حكم الاستئناف
محكمة الاستئناف أيّدت في جوهرها قرار قاضي التنفيذ الصادر في 1 جويلية 2025، وقررت:
- رفع الحجز عن الطائرة، معتبرة أن الدين موضوع النزاع لا يتعلق مباشرة بصيانة هذه الطائرة، إضافة إلى تمتّعها بحماية خاصة بموجب قانون النقل الجوي الفرنسي.
- الإبقاء على الحجز التحفظي على المحركين، باعتبار أن الدين يبدو “قائمًا من حيث المبدأ”، وأن الوضعية المالية للخطوط التونسية قد تهدد استخلاصه.
- رفض الطعون الشكلية التي تقدمت بها Lone Star بخصوص إجراءات التبليغ والاختصاص.
- تثبيت أحقية Tunisair Technics في التدخل في القضية بصفتها طرفًا معنيًا بالحجز.
تعويضات مالية لفائدة «تونسار»
وفي جانب آخر من الحكم، طالبت الخطوط التونسية بتعويضات مالية ومعنوية قدرت بـ:
- 6.713.746 يورو عن الضرر المالي
- 1 مليون يورو عن الضرر المعنوي
وقضت المحكمة بإلزام شركة Lone Star Group Ltd بدفع 5.313.844 يورو لفائدة الخطوط التونسية كتعويضات مالية عن فترة التوقف الطويلة للطائرة، إضافة إلى 5 آلاف يورو بعنوان المصاريف القضائية طبقًا للفصل 700 من قانون الإجراءات المدنية الفرنسي، مع تحميلها كامل مصاريف الاستئناف.
في المقابل، رفضت المحكمة طلب الخطوط التونسية المتعلق بفرض غرامة مدنية إضافية، كما رفضت بقية المطالب الأوسع أو المتعارضة.
واقعيًا: الطائرة لا تزال خارج الخدمة
على المستوى التشغيلي، يؤكد الحكم أن TS-IFM لا يمكنها العودة إلى الخدمة في الوقت الراهن، إذ أن غياب المحركات يجعلها غير صالحة للطيران تقنيًا، وهو ما يفرض على الخطوط التونسية:
- إما التوصل إلى تسوية مالية مع Lone Star لاسترجاع المحركات
- أو تأمين محرّكات بديلة من مصادر أخرى، وهو خيار مكلف ويتطلب وقتًا طويلًا
وخلال هذه الفترة، تضطر الشركة إلى الاعتماد على الطائرة الثانية من نفس الطراز TS-IFN أو اللجوء إلى عقود ايجار لتأمين الرحلات البعيدة المدى، ما يرفع بشكل ملحوظ كلفة الاستغلال.
الوضعية المالية تحت مجهر القضاء
وبرّرت المحكمة الإبقاء على الحجز على المحركات بالاستناد إلى تقارير إعلامية ووثائق رسمية تشير إلى صعوبات مالية حادة تعيشها الخطوط التونسية، من بينها:
- خسائر سنوية تناهز 200 مليون دينار تونسي
- مديونية جملية تقارب 2 مليار دينار
- تقلّص الأسطول من 24 طائرة إلى حوالي 10 طائرات فقط
رغم رفع الحجز عن هيكل الطائرة، فإن الحديث عن “عودة وشيكة للخدمة” يبقى غير دقيق. فطائرة TS-IFM لا تزال عمليًا خارج الأسطول التشغيلي، إلى حين حسم النزاع المتعلق بالمحرّكات أو إيجاد حل تقني ومالي بديل.

