أثار القاضي عمر الوسلاتي جدلًا واسعًا إثر تدوينة نشرها على حسابه بموقع فيسبوك، انتقد فيها القرارات التأديبية الصادرة عن مجلس التربية بالمعهد الثانوي ابن أبي ضياف بمنوبة، معتبرًا أن ما حدث يطرح أسئلة عميقة حول فلسفة العقاب داخل المؤسسة التربوية وحدود التناسب بين الخطأ والجزاء.
وقال الوسلاتي في تدوينته: “حين تتحوّل المدرسة من فضاء للتربية إلى فضاء للإقصاء، ومن بيت للمعرفة إلى منصة للعقاب النهائي، نفقد جوهر رسالتها”، مضيفًا أن تحوّل النقابة ومجلس التربية “من أدوات لحماية المؤسسة وضبطها إلى مقصلة تقضي على الأحلام وتعدمها” يجعل المسألة تتجاوز حادثة معزولة لتصبح سؤالًا عن معنى المدرسة ذاتها.
وكان مجلس التربية بالمعهد قد اتخذ، يوم الخميس 19 فيفري/شباط 2026، قرارات تأديبية في حق 13 تلميذًا وتلميذة، من بينهم 12 مرسمين بالسنة النهائية شعبة البكالوريا، وذلك “على خلفية إعداد ورفع لافتة منافية للأخلاق، وانتهاك حرمة المؤسسة والمشاركة في أحداث الفوضى، والإساءة للإطار التربوي”، وفق ما ورد في مقرر المجلس، في أعقاب أحداث “الدخلة” التي تسببت في تعطيل الدروس.
وتراوحت العقوبات بين الطرد النهائي لستة تلاميذ، من بينهم تلميذة نُسب إليها قذف وثلب الإدارة والأساتذة والعملة على الصفحة الرسمية للمعهد، والطرد لمدة 15 يومًا و10 أيام لبقية المعنيين بسبب المساهمة في الفوضى أو تبريرها أو بثّها.
وفي تعليقه على هذه القرارات، شدد الوسلاتي على أنه “لا أحد يُنكر خطورة الإساءة أو انتهاك حرمة المؤسسة، ولا أحد يدعو إلى التسيّب”، غير أنه تساءل عن مدى تناسب الطرد النهائي، خاصة بالنسبة لتلاميذ يستعدون لاجتياز امتحان البكالوريا بعد أسابيع قليلة، معتبرًا أن العقوبة القصوى تقتضي استنفاد كل الوسائل التربوية قبل اللجوء إليها.
وأضاف: “دفعة واحدة، ثلاثة عشر طاقة شابة وُضعت تحت طائلة الإقصاء… أي رسالة نبعثها إليهم؟ أن الخطأ في سنّ الاندفاع يُنهي مسارك؟ أن المدرسة لا تمنح فرصة ثانية؟”، مؤكدًا أن التربية الحقيقية “لا تُقاس بسرعة العقوبة، بل بقدرتها على تحويل الخطأ إلى وعي”.
كما ذكّر القاضي بأن الحق في التعليم “حق أساسي لا يُقيّد إلا بقدر الضرورة القصوى ووفق مبدأ التناسب بين الفعل والجزاء”، معتبرًا أن الطرد النهائي ليس إجراءً عابرًا، بل يمثل “قطيعة مع المسار الدراسي ووصمة اجتماعية وضغطًا نفسيًا قد يتجاوز حدود الواقعة نفسها”.
واقترح الوسلاتي بدائل تأديبية متدرجة، من بينها التوقيف المؤقت المقرون بالتزام سلوكي، والاعتذار العلني، والقيام بأعمال تربوية داخل المؤسسة، وبرامج تأطير تعيد التلميذ إلى المسار الدراسي بدل دفعه خارجه، مشددًا على أن “هيبة المؤسسة لا تُبنى بالقسوة وحدها، بل بالعدل”، وأن المدرسة “مساحة لبناء الإنسان، وإذا فقدت قدرتها على الاحتواء فقدت رسالتها الأولى”.

