لم يعد الحديث عن “اللحوم الجيفة” أو الفاسدة مجرّد تداول إعلامي أو تحذير صادر عن جهة رقابية، بل طُرح هذه المرّة من أعلى هرم السلطة في البلاد، على لسان رئيس الجمهورية قيس سعيّد خلال زيارته إلى شركة اللحوم بالورديّة. وعندما يصدر هذا التوصيف عن رئيس الدولة، فإنّ الأمر يتجاوز البعد الظرفي ليطرح سؤالاً هيكلياً: أين كانت منظومة الرقابة الصحية؟
أولاً: الرقابة الداخلية… هل تعطّلت أم تمّ اختراقها؟
شركة اللحوم، باعتبارها مؤسسة عمومية تنشط في مجال حساس، يفترض أن تخضع إلى منظومة رقابة صحية داخلية صارمة تشمل:
- الفحص البيطري الإجباري قبل الذبح وبعده
- المراقبة اليومية لشروط النظافة
- احترام سلسلة التبريد
- إتلاف اللحوم غير الصالحة بمحاضر رسمية
إذا كان الحديث قد بلغ حدّ توصيف اللحوم بـ“الجيفة”، فإنّ ذلك يطرح احتمالين:
إمّا وجود إخلالات جسيمة في تطبيق البروتوكولات الصحية، أو وجود تواطؤ داخلي مكّن من تمرير لحوم غير صالحة إلى مسالك التوزيع. وفي الحالتين، تصبح المساءلة الإدارية والجزائية أمراً حتمياً.
ثانياً: دور وزارة التجارة والرقابة البيطرية
وزارة التجارة، عبر فرق المراقبة الاقتصادية، تضطلع بدور في متابعة مسالك التوزيع والتصدي للاحتكار، في حين تتكفل المصالح البيطرية بمتابعة السلامة الصحية للحوم.
تصريحات رئيس الجمهورية تضع هذه الأجهزة أمام تساؤلات مشروعة:
- هل تم تسجيل إخلالات سابقة؟
- هل رُفعت تقارير تنبيه لم يُعمل بها؟
- هل كانت الزيارات الرقابية منتظمة وفعّالة؟
كما أنّ التنسيق بين وزارتي التجارة والفلاحة (التي تتبعها المصالح البيطرية) يفترض أن يكون محكماً في قطاع شديد الحساسية كقطاع اللحوم.
ثالثاً: ماذا عن منظمات حماية المستهلك؟
المنظمات المعنية بالاستهلاك ليست سلطة تنفيذية، لكنها تمثل خط دفاع مدني مهم. دورها يشمل:
- رصد الشكاوى والتبليغ عنها
- المطالبة بالشفافية
- توعية المستهلكين بشروط السلامة
وعندما تُثار شبهات خطيرة على هذا المستوى، فإنّ دور هذه المنظمات يصبح مضاعفاً، سواء في الضغط من أجل نشر نتائج التحاليل أو في المطالبة برقابة مستقلة.
رابعاً: المخاطر الصحية… لماذا المسألة خطيرة؟
استهلاك لحوم فاسدة قد يؤدي إلى:
- تسممات غذائية حادة
- التهابات معوية خطيرة
- مضاعفات صحية لدى الأطفال وكبار السن
- احتمال انتقال أمراض حيوانية المنشأ في حال غياب الفحص البيطري السليم
والأخطر أنّ بعض اللحوم قد تبدو صالحة ظاهرياً، فيما تكون غير آمنة نتيجة سوء التخزين أو انقطاع سلسلة التبريد.
بين الاتهام والإصلاح
عندما يُطرح الملف بهذا الوضوح من قبل رئيس الدولة، فإنّ الرهان لا يكون فقط على كشف المخالفات، بل على إعادة بناء منظومة ثقة كاملة في قطاع اللحوم.
الكرة اليوم في ملعب أجهزة الرقابة:
هل ستكشف التحقيقات عن مسؤوليات محددة؟
وهل سيتم تعزيز آليات التتبع والرقابة والشفافية؟
الأمن الغذائي ليس ملفاً قطاعياً ضيقاً، بل هو جزء من الأمن الوطني. وأيّ إصلاح حقيقي يبدأ من مساءلة واضحة، وينتهي بمنظومة رقابة لا يمكن اختراقها.

