شهدت تونس في السنوات الأخيرة تكرار حوادث غرق المدن والمناطق الحضرية، ما أثار تساؤلات حول قدرة البنية التحتية على مواجهة التغيرات المناخية. ويشير عبد الباسط سماري، عضو مجموعة التفكير الاقتصادي والاجتماعي والإنساني، إلى أن هذه الظاهرة لم تعد حادثًا ظرفيًا، بل نتيجة تراكمية لأخطاء هيكلية وتقنية في التخطيط الحضري وإدارة الموارد المائية.
أولًا: ضعف الاستثمارات الموجهة للبنية التحتية المائية
تواجه شبكات تصريف مياه الأمطار نقصًا حادًا في التمويل الاستثماري، حيث يذهب الجزء الأكبر من الميزانيات إلى نفقات التسيير اليومية بدل تطوير شبكات حديثة تستوعب زيادة الأمطار. هذا التراجع في الاعتمادات أدى إلى فشل تدريجي في قدرة المدن على استيعاب الجريان السطحي خلال العواصف.
ثانيًا: الاعتماد على تصاميم هندسية قديمة
أغلب شبكات التصريف في تونس صُممت وفق معايير تساقطات قديمة، غالبًا بمعدل عودة 10 إلى 20 سنة، بينما الواقع المناخي الجديد يتطلب شبكات تتحمل فترات عودة تفوق 50 سنة. هذه الفجوة التقنية تجعل الأنظمة الحالية عاجزة عن مواجهة الأمطار الغزيرة الاستثنائية.
ثالثًا: غياب حلول الطبيعة (Nature-Based Solutions)
لم يتم اعتماد الحلول المستدامة والحديثة مثل الأحواض الطبيعية، الأسطح النفاذة، المساحات الخضراء الحضرية، وحدائق الأمطار، والتي أثبتت فعاليتها عالميًا في الحد من الجريان السطحي. غياب هذه الحلول يجعل المدن أكثر هشاشة أمام الفيضانات.
رابعًا: سوء إدارة الأراضي الحضرية
عمليات ردم الأودية الصغيرة، والسباخ، والمناطق الرطبة دون استحداث بدائل هيدرولوجية أسهمت في اختلال التوازن المائي الطبيعي، سواء في المدن الساحلية أو الداخلية، ما يزيد من احتمالات الفيضانات في كل موسم ممطر.
خامسًا: ضعف أنظمة الإنذار المبكر وإدارة الأزمات
غياب منظومات استشعار ذكية وخطط تدخل استباقية يجعل رد الفعل متأخرًا ويقتصر على المعالجة بعد وقوع الكارثة، بدل أن يكون وقائيًا. هذا التأخر يعمّق الأضرار ويزيد من معاناة المواطنين.
سادسًا: تآكل ثقة المواطن وضعف الرقابة
تكرار الاعتداءات على الملك العمومي المائي وربط المباني عشوائيًا بشبكات التصريف، غالبًا دون عقاب أو متابعة، يزيد من هشاشة المنظومة بأكملها ويضعف فعالية أي استثمار مستقبلي.
خلاصة
تشير التحليلات إلى أن غرق المدن التونسية لم يعد حادثًا عرضيًا، بل نتيجة تراكمية لاختلالات هيكلية وتقنية وإدارية في التخطيط الحضري والاستثمار والحوكمة المائية. هذا يجعل إصلاح منظومة تصريف مياه الأمطار أولوية سيادية عاجلة لا تحتمل المزيد من التأجيل، مع ضرورة دمج حلول مستدامة وحديثة، وتعزيز المراقبة، وتحديث الشبكات لتواكب الواقع المناخي الجديد.

