في ظلّ التصعيد المتسارع في الشرق الأوسط، جدّدت فرنسا التأكيد على ثبات موقفها القائم على أولوية خفض التوتر والالتزام الصارم بتعهداتها تجاه شركائها الإقليميين، معتبرة أن اتساق سياستها الخارجية في بيئة دولية مضطربة يمثل مؤشراً قوياً على موثوقيتها كشريك دولي.
وشدّدت باريس على أن غياب المعالجة متعددة الأطراف، ولا سيما على مستوى مجلس الأمن الدولي، ساهم في تدهور الأوضاع بشكل سريع، مؤكدة أنها لم تُستشر في الضربات الأمريكية والإسرائيلية الأخيرة، وأنها ما تزال تفضّل إطاراً يستند إلى القانون الدولي ويهدف إلى إعادة فتح مسار دبلوماسي ذي مصداقية بمشاركة الأوروبيين.
وأكد وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي جان نويل بارو أن الأولوية تكمن في “الذهاب بأسرع وقت نحو خفض التصعيد” في مواجهة نزاع يتوسع ويتجه نحو مزيد من التعقيد، محذراً من خطر انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة قد تجرّ أطرافاً “لم تختر الحرب” إلى أتون الصراع. وفي السياق ذاته، دعت فرنسا جميع الأطراف في لبنان إلى احترام اتفاق وقف إطلاق النار الذي ساهمت في التوصل إليه، وأدانت أي أعمال قد تعيد البلاد إلى حرب جديدة.
كما جدّدت باريس تمسكها بمبادئ القانون الدولي، ولا سيما مبدأ التناسب، مؤكدة دعمها لمفهوم الدفاع المشروع الجماعي في إطار قانوني صارم وضمن مقاربة دفاعية بحتة، تستبعد أي توجه هجومي.
على الصعيد العملي، أبرزت فرنسا ما وصفته بوفائها بالتزاماتها تجاه شركائها في المنطقة، خاصة دول الخليج، في إطار تضامن “نشط” ووفق طلب هذه الدول، مع احترام كامل للشرعية الدولية ومبدأ التناسب. وترتبط فرنسا باتفاقيات دفاع مع كل من قطر والكويت والإمارات العربية المتحدة، إضافة إلى التزامات راسخة مع الأردن والعراق وحلفائها الأكراد.
وأعلنت باريس أنها تحركت منذ الساعات الأولى للنزاع في إطار الدفاع المشروع، عبر إسقاط طائرات مسيّرة كانت تهدد المجال الجوي لحلفائها، مؤكدة أن شركاءها يمكنهم الاعتماد عليها عملياً في ضمان أمنهم. كما تم تفعيل طائرات “رافال” المتمركزة في الإمارات لتأمين المجال الجوي حول المواقع الفرنسية، إلى جانب نشر أنظمة دفاع جوي ورادارات محمولة جواً خلال الساعات الأخيرة.
وفي خطوة لتعزيز القدرة على الردع والحماية، أصدر الرئيس الفرنسي أوامر لحاملة الطائرات “شارل ديغول” ومجموعتها البحرية بالتوجه إلى البحر الأبيض المتوسط، بهدف دعم قدرات الاستجابة السريعة في المنطقة.
وعلى المستوى البحري والاقتصادي، أعلنت فرنسا مبادرة لتشكيل تحالف يهدف إلى تأمين الممرات الحيوية للتجارة والطاقة، لا سيما مضيق هرمز والبحر الأحمر وقناة السويس، في ظل الاضطرابات المتزايدة، مؤكدة أن استقرار هذه المسارات يشكل ركيزة أساسية للاقتصاد العالمي، وخاصة بالنسبة للدول الإفريقية.

