في سياق انعقاد الاجتماع الإقليمي لمستشاري التجارة الخارجية الفرنسيين لمنطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط، برزت مجددًا متانة العلاقات الاقتصادية بين فرنسا وتونس، حيث تؤكد أحدث المعطيات أن باريس تواصل ترسيخ موقعها كشريك استراتيجي أول لتونس على عدة مستويات حيوية تشمل التجارة والاستثمار وتدفقات العملة الصعبة.
شريك تجاري أول بأرقام قياسية
تُظهر البيانات أن فرنسا تحتل المرتبة الأولى كشريك تجاري لتونس، بحجم تبادل في مجال السلع بلغ نحو 8.9 مليار يورو، مع تسجيل فائض لصالح تونس يُقدّر بـ1.8 مليار يورو.
كما بلغت المبادلات في قطاع الخدمات حوالي 3 مليارات يورو خلال سنة 2024، محققة بدورها فائضًا إضافيًا لتونس بقيمة 1.8 مليار يورو، وهو ما يعكس توازنًا إيجابيًا في العلاقات التجارية الثنائية.
استثمارات فرنسية رائدة في تونس
على مستوى الاستثمار، تؤكد الأرقام أن فرنسا هي أول مستثمر أجنبي في تونس، حيث بلغ رصيد الاستثمارات المباشرة حوالي 2.7 مليار يورو في سنة 2025، مع تدفقات سنوية تقدر بـ266 مليون يورو، ساهمت في إحداث نحو 4350 موطن شغل.
كما تنشط في تونس 1612 مؤسسة ذات مساهمة فرنسية، من بينها 670 فرعًا مباشرًا، ما يعكس عمق الحضور الاقتصادي الفرنسي وتنوعه في قطاعات الصناعة والخدمات والتكنولوجيا.
في المقابل، تسجل تونس حضورًا استثماريًا لافتًا في فرنسا، حيث تُعد أول بلد إفريقي مستثمر هناك من حيث عدد المشاريع، مع مرافقة 12 مشروعًا جديدًا سنة 2025، إضافة إلى رصيد استثماري تونسي يُقدّر بـ500 مليون يورو.
فرنسا المصدر الأول للعملة الصعبة
لا تقتصر أهمية فرنسا على التجارة والاستثمار فقط، بل تمتد لتشمل دورًا محوريًا في توفير العملة الصعبة لتونس.
فمع استقبال تونس لنحو 1.1 مليون سائح فرنسي سنويًا، تحتل فرنسا المرتبة الأولى كأكبر سوق سياحية أوروبية، حيث بلغت العائدات السياحية من هذه السوق حوالي 630 مليون يورو في 2024، أي ما يمثل 28% من إجمالي العائدات السياحية.
كما تشكل التحويلات المالية من الجالية التونسية المقيمة في فرنسا ركيزة أساسية، إذ بلغت حوالي 1.2 مليار يورو، أي ما يعادل 42% من إجمالي تحويلات التونسيين بالخارج.
تعاون مالي وتقني متواصل
في جانب التعاون الثنائي، يتواصل دعم الوكالة الفرنسية للتنمية لتونس من خلال 64 مشروعًا قيد التنفيذ، بإجمالي تمويلات تناهز 940 مليون يورو.
كما تشرف إكسبيرتيز فرانس على 24 مشروعًا في مجالات متعددة تشمل الحوكمة والتنمية المستدامة والإصلاحات الاقتصادية.
علاقات استراتيجية متعددة الأبعاد
تعكس هذه المؤشرات مجتمعة طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين تونس وفرنسا، التي تتجاوز الطابع التجاري التقليدي لتشمل أبعادًا تنموية ومالية وبشرية. كما تؤكد استمرار اعتماد الاقتصاد التونسي بدرجة كبيرة على الشريك الفرنسي، سواء في جذب الاستثمار أو دعم ميزان المدفوعات عبر السياحة وتحويلات الجالية.
وتطرح هذه المعطيات في المقابل تساؤلات حول ضرورة تنويع الشركاء الاقتصاديين لتونس، في ظل التحولات العالمية المتسارعة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على شراكة تاريخية متينة مع فرنسا تُعد من الأقدم والأكثر تشعبًا في المنطقة.


