الرئيسيةآخر الأخبارفرنسا 3 تزرع الشك بلا دليل: كيف حُرّف تقرير أوروبي للتشكيك في...

فرنسا 3 تزرع الشك بلا دليل: كيف حُرّف تقرير أوروبي للتشكيك في زيت الزيتون التونسي

في وقت تواصل فيه تونس ترسيخ موقعها كأكبر مورّد لزيت الزيتون إلى الاتحاد الأوروبي، فجّر تقرير حديث للمحكمة الأوروبية للمحاسبات جدلًا واسعًا حول جودة هذا المنتج داخل السوق الأوروبية. غير أن قراءة متأنية للتقرير تكشف مفارقة لافتة: التقرير الأوروبي لا يُشكّك في سلامة زيت الزيتون التونسي، بقدر ما يُدين تقصير أنظمة الرقابة الأوروبية نفسها، بينما ذهبت تغطية قناة فرانس 3 الفرنسية إلى تحميل المنتج التونسي ما لم يقله التقرير أصلًا.

ماذا قال التقرير الأوروبي فعلًا؟

التقرير، الصادر يوم 14 جانفي عن المحكمة الأوروبية للمحاسبات، ركّز على ثغرات خطيرة في أنظمة الرقابة داخل الاتحاد الأوروبي، سواء فيما يتعلق بأصالة زيت الزيتون، أو سلامته من الملوّثات، أو قابليته للتتبع عبر سلاسل التوريد المعقّدة.

وخلص المدققون إلى أن:

  • اختبارات بقايا المبيدات في زيت الزيتون المنتج داخل الاتحاد الأوروبي مستقرة ونادرًا ما تكشف مخالفات.
  • في المقابل، فإن الرقابة على زيت الزيتون المستورد من خارج الاتحاد الأوروبي تكاد تكون معدومة أو متقطعة في الدول التي شملها التدقيق، مثل إيطاليا وإسبانيا وبلجيكا.
  • هذا القصور لا يسمح للجنة الأوروبية ولا للمستهلكين بامتلاك صورة دقيقة عن مستوى الملوّثات في الزيوت المستوردة.

لكن الأهم:
التقرير لم يورد أي نتيجة مخبرية سلبية، ولم يثبت وجود مبيدات محظورة في زيت الزيتون التونسي، ولم يصدر أي تحذير صحي موجّه ضد تونس أو غيرها من الدول المصدّرة.

تونس في التقرير: أرقام لا اتهامات

ذِكر تونس في التقرير جاء في سياق إحصائي وتجاري بحت:

  • تونس هي المورّد الأول لزيت الزيتون إلى الاتحاد الأوروبي (حوالي 75% من الواردات).
  • تليها تركيا، ثم الأرجنتين والمغرب.

هذا المعطى لم يُرفق بأي تقييم صحي أو تشكيك في الجودة، بل استُخدم لتوضيح أهمية تحسين الرقابة على الواردات بالنظر إلى حجمها.

أين بدأ الانحراف الإعلامي؟

بعض التغطية الإعلامية لقناة فرانس 3 الفرنسية، بدل التركيز على فشل منظومة الرقابة الأوروبية، اتجهت إلى:

  • طرح أسئلة إيحائية من قبيل: «هل يحتوي الزيت التونسي على مبيدات محظورة؟»
  • الربط بين “تشريعات أكثر تساهلًا في شمال إفريقيا” و”مخاطر صحية محتملة”، دون الاستناد إلى أي تحاليل أو أدلة علمية.

وهنا يكمن الخلل المهني:
السؤال الإيحائي ليس استنتاجًا رقابيًا، بل توجيه للرأي العام.

فالتقرير يقول بوضوح:من دون رقابة، لا يمكن الجزم بشيء

بينما حوّلته بعض المنابر إلى:من دون رقابة، المنتج مشكوك فيه.

قلب المسؤوليات: من التقصير الأوروبي إلى “الخطر الخارجي”

المفارقة أن التقرير وجّه انتقادات مباشرة إلى:

  • إيطاليا: عدم فحص أي شحنة زيت زيتون مستورد في 2023 و2024.
  • إسبانيا: تحليل ثلاث عينات فقط خلال خمس سنوات.
  • بلجيكا: غياب أي رقابة حدودية على زيت الزيتون المستورد.

ومع ذلك، لم يتحوّل النقاش الإعلامي إلى مساءلة هذه الدول أو المفوضية الأوروبية، بل جرى نقل عبء التقصير إلى المنتج الأجنبي، وفي مقدّمته المنتج التونسي.

حقيقة قانونية لا يمكن تجاوزها

لو كان زيت الزيتون التونسي يشكّل خطرًا صحيًا مثبتًا:

  • لتم تفعيل نظام الإنذار السريع الأوروبي (RASFF).
  • ولتوقّف استيراده فورًا.
  • ولصدرت تحذيرات رسمية للمستهلكين.

لم يحدث أيّ من ذلك.

ما الذي يُفهم من كل هذا؟

  • التقرير الأوروبي وثيقة رقابية داخلية تُدين ضعف التطبيق، لا جودة المنتج التونسي.
  • التناول الإعلامي للقناة الفرنسية انتقائي وموجّه، ويخدم – بوعي أو دون وعي – خطابًا تنافسيًا/حمائيًا في سوق يشهد ضغوطًا كبيرة على المنتجين المحليين.
  • الخلط بين “غياب المعلومة” و”إثبات الخطر” يشكّل مغالطة مهنية خطيرة.

تقرير المحكمة الأوروبية للمحاسبات لا يُدين زيت الزيتون التونسي، بل يُدين تقصير الاتحاد الأوروبي في مراقبة وارداته.
أما تحويل هذا التقصير إلى حملة تشكيك إيحائي في منتج يُعدّ ركيزة أساسية للصادرات التونسية، فهو انزلاق إعلامي لا يستند إلى معطيات علمية ولا إلى خلاصات التقرير نفسه.

وفي معركة السمعة داخل الأسواق الدولية، تبقى الحقيقة البسيطة هي الأهم:
الجودة تُقاس بالتحاليل، لا بالإيحاءات.

** التقرير الأوروبي

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى

error: Content is protected !!