رغم التصعيد السياسي والإعلامي الذي طبع السنوات الأخيرة من العلاقة بين واشنطن وكاراكاس، فإن المشهد الفنزويلي لم يشهد تغييرًا في هرم السلطة، حيث لا تزال حكومة نيكولاس مادورو قائمة دون تغيير، محتفظة بمفاصل القرار السياسي والأمني والاقتصادي في البلاد.
غير أن الثابت في السلطة لا يعني بالضرورة ثباتًا في الأسلوب، إذ تشير تطورات الأشهر الأخيرة إلى أن حكومة مادورو باتت تعتمد مقاربة أكثر براغماتية في تعاملها مع الولايات المتحدة، تقوم على إدارة التوازنات بدل المواجهة المباشرة.
من القطيعة إلى إدارة الصراع
لسنوات، اتسمت العلاقة بين فنزويلا والولايات المتحدة بالقطيعة شبه الكاملة، شملت:
- عقوبات اقتصادية خانقة،
- عزلة دبلوماسية،
- ومحاولات أمريكية متكررة لدعم بدائل سياسية داخلية.
إلا أن هذه السياسة لم تُفضِ إلى تغيير النظام، ما دفع الطرفين، كلٌّ بطريقته، إلى إعادة تقييم أدوات الضغط والتعامل.
قبول الأمر الواقع… دون اعتراف سياسي
لا توجد مؤشرات على اعتراف أمريكي رسمي بشرعية حكومة مادورو، كما لا توجد تنازلات سياسية معلنة من جانب كاراكاس. ومع ذلك، فإن ما يجري عمليًا هو تعامل غير مباشر مع الأمر الواقع:
- واشنطن خففت، في فترات محددة، بعض القيود النفطية.
- حكومة مادورو سمحت بعودة محدودة لشركات طاقة غربية.
- الطرفان فتحا قنوات تواصل تقنية ووساطات غير معلنة، خصوصًا في ملفات الطاقة والهجرة.
هذا السلوك المتبادل يعكس براغماتية قسرية أكثر من كونه تقاربًا سياسيًا.
النفط… لغة التفاهم الوحيدة
يبقى النفط محور أي تواصل محتمل بين الجانبين. ففنزويلا، رغم العقوبات، ما زالت لاعبًا مهمًا في سوق الطاقة، بينما تبحث الولايات المتحدة عن استقرار الإمدادات في ظل اضطراب الأسواق العالمية.
في هذا السياق، تبدو حكومة مادورو مستعدة لتقديم تسهيلات اقتصادية محدودة مقابل تخفيف الضغط، دون أن تذهب إلى حدّ تقديم تنازلات سياسية تمسّ بنيتها أو تحالفاتها الإقليمية.
إيران وروسيا في الخلفية
تتعامل كاراكاس بحذر مع علاقاتها التقليدية مع إيران وروسيا، خصوصًا في ما يتعلق بملف أسطول الظل وتهريب النفط. فالحكومة الفنزويلية لا تبدو في وارد قطع هذه العلاقات، لكنها تسعى إلى عدم تحويلها إلى عبء إضافي في علاقتها المعقدة مع واشنطن.
خلاصة
حكومة مادورو لم تتغير، ولم تسقط، ولم تُبدِ استعدادًا للتنازل السياسي.
لكنها، في المقابل، قبلت عمليًا بالتعايش مع واقع الضغوط الأمريكية، عبر سياسة ضبط الصدام، وتفكيك الأزمات ملفًا بملف، خصوصًا في المجال الاقتصادي والنفطي.
إنه قبول بالأمر الواقع دون مصالحة، وتواصل دون تطبيع، وتهدئة دون تسوية نهائية — وهي معادلة هشة، لكنها تعكس توازن القوى الحالي.

