تعيش منطقة الشرق الأوسط منذ يومين على وقع تصعيد عسكري غير مسبوق بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بعد أن تجاوزت الضربات طابعها المحدود لتشمل مواقع استراتيجية داخل إيران، في حين ردّت طهران باستهداف قواعد أمريكية في عدد من دول الخليج، ما وضع هذه الدول في قلب المواجهة ورفع منسوب التهديد للملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس النفط العالمي.
الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي قدّم قراءة استشرافية لتداعيات هذا التصعيد على الاقتصاد العالمي والاقتصاد التونسي، محذّراً من أن تطوّر المواجهة قد ينقل العالم من مجرّد “علاوة مخاطر جيوسياسية” إلى “صدمة عرض نفطية” تعيد شبح الركود التضخمي.
ارتفاع فوري في الأسعار
وسجّلت الأسواق تفاعلاً سريعاً مع التطورات الميدانية، إذ ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 13% خلال اليومين الأولين من التصعيد، في مؤشر على مخاوف المستثمرين من تعطل الإمدادات واحتمال انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع قد تطال شرايين الطاقة العالمية.
ويشير الشكندالي إلى أن مسار الأسعار خلال الفترة المقبلة سيبقى رهين مواقف القوى الكبرى، في ظل انقسام دولي واضح:
- الولايات المتحدة وإسرائيل أعلنتا أن الضربات تهدف إلى الحد من القدرات العسكرية الإيرانية، مع التأكيد على أن برنامج طهران النووي يمثل تهديداً مباشراً.
- الدول الأوروبية، وعلى رأسها فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، أبدت دعماً سياسياً لموقف واشنطن بشأن الملف النووي الإيراني، وسط أنباء عن احتمال اصطفافها إلى جانب التحالف الأمريكي–الإسرائيلي.
- في المقابل، أدانت روسيا والصين الضربات ووصفتاها بالعدوانية، مطالبتين بوقف التصعيد، مع التشديد على حماية مصالحهما الاقتصادية، خاصة الصين التي تعتمد بشكل كبير على النفط الإيراني.
أربعة سيناريوهات… من الاحتواء إلى الصدمة العالمية
ويرسم الشكندالي أربعة سيناريوهات محتملة لمسار الأزمة:
1. الاحتواء المحدود
يفترض هذا السيناريو بقاء النزاع في إطار عسكري محدود دون تعطيل فعلي للإمدادات النفطية. في هذه الحالة، تبقى زيادة الأسعار في حدود 10–15% كعلاوة مخاطر قبل أن تتراجع تدريجياً مع انحسار التوتر.
بالنسبة لتونس، يعني ذلك ارتفاعاً ظرفياً في فاتورة الطاقة وزيادة طفيفة في التضخم. ووفق قانون المالية لسنة 2026، فإن كل زيادة بـ10 دولارات في سعر البرميل مقارنة بفرضيات الميزانية تكلّف الدولة نحو 1.6 مليار دينار إضافية. ويعتبر هذا السيناريو الأقل كلفة، إذ يمكن للاقتصاد امتصاص الصدمة دون اضطرابات هيكلية كبرى.
2. تعطيل جزئي للإمدادات
يتعلق هذا السيناريو بتعطل فعلي في صادرات الخليج أو إيران بنحو 3 إلى 5 ملايين برميل يومياً، ما قد يدفع الأسعار إلى تجاوز 100 دولار للبرميل. هنا تتحول الأزمة إلى صدمة عرض حقيقية تضغط على الاقتصادات الناشئة المستوردة للطاقة.
في هذه الحالة، قد ترتفع فاتورة الطاقة في تونس بحوالي 4 مليارات دينار، مع زيادة التضخم بين 0.75 و1 نقطة مئوية، واتساع عجز الميزان التجاري، وهو ما يضع ضغوطاً إضافية على المالية العمومية وسعر الصرف.
3. صدمة نظامية عالمية
أما السيناريو الثالث فيفترض اضطراباً واسعاً في الملاحة أو إغلاقاً جزئياً لمضيق هرمز، ما قد يدفع الأسعار إلى الارتفاع بأكثر من 30 أو 40% لتبلغ حدود 120 دولاراً للبرميل أو أكثر.
في هذا الوضع، تعود مخاطر الركود التضخمي العالمي، وترتفع كلفة التمويل السيادي في الأسواق الناشئة، فيما تجد البنوك المركزية نفسها أمام معادلة صعبة بين كبح التضخم وحماية النمو.
بالنسبة لتونس، قد تصل الفاتورة الطاقية الإضافية إلى ما بين 6 و7 مليارات دينار، مع زيادة التضخم بأكثر من 1.5 نقطة مئوية، واتساع كبير في عجز الميزان التجاري، ما يفرض مراجعة منظومة الدعم الطاقي وإعادة ضبط النفقات العامة.
4. توسع الحرب دولياً
السيناريو الأخطر يتمثل في توسع رقعة الحرب عبر اصطفاف تحالفات دولية، سواء بانضمام دول أوروبية رئيسية إلى التحالف الأمريكي–الإسرائيلي، أو بدعم روسي وصيني لإيران سياسياً أو لوجستياً.
في هذه الحالة، يتحول النفط من مجرد متغير اقتصادي إلى أداة استراتيجية لإعادة تشكيل موازين القوى الدولية، وقد يقفز سعر البرميل إلى 150 دولاراً أو أكثر.
تونس، وفق تقديرات الشكندالي، قد تتحمل فاتورة طاقية إضافية تتجاوز 10 إلى 11 مليار دينار، مع زيادة التضخم بأكثر من نقطتين مئويتين، وعجز تجاري حاد يضغط على احتياطيات النقد الأجنبي ويؤثر على قدرة البلاد على جذب الاستثمار الخارجي، ما يستدعي تدخلات مالية كبرى ومراجعة شاملة لأولويات الميزانية.
رهانات المرحلة
ويخلص الشكندالي إلى أن السيناريو الأول يظل الأقل كلفة والأكثر قابلية للاحتواء، محذّراً من أن انزلاق المنطقة إلى سيناريوهات أوسع سيجعل من أزمة الطاقة محركاً رئيسياً لاضطرابات اقتصادية عالمية، ستكون تونس من بين الدول الأكثر تأثراً بها باعتبارها مستوردة صافية للطاقة.
وفي ظل هشاشة التوازنات المالية وارتفاع حاجيات التمويل، يبقى مسار الحرب في الشرق الأوسط عاملاً حاسماً في رسم ملامح السنة الاقتصادية المقبلة، ليس فقط إقليمياً، بل على مستوى النظام الاقتصادي العالمي ككل.

