الرئيسيةآخر الأخبارليبيا : من إتخذ قرار إزالة الوجوه القديمة ؟

ليبيا : من إتخذ قرار إزالة الوجوه القديمة ؟

في السادس عشر من جانفي وفي العاصمة الفرنسية باريس وتحت اشراف مسعد بولس المبعوث الشخصي للرئيس ترامب على لقاء جمع كبار المسؤولين من غرب ليبيا وشرقها . ووفق معطيات متداولة، دخل بولس في نقاشات مباشرة مع رئيس حكومة ليبي حالي، تحت إشراف دولي مزدوج. لم تُعقد هذه اللقاءات في إطار أي مؤسسة ليبية رسمية، ولم تصدر عنها بيانات شفافة، ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة: لماذا تتم مناقشة مستقبل بلدٍ ذي سيادة خارج أراضيه؟ ولماذا تُدار الحوارات بعيداً عن الأطر الدستورية والمؤسسات المنتخبة؟

تشير وثائق مرتبطة بهذه اللقاءات إلى هدف لافت للنظر: «إزالة الوجوه القديمة». عبارة تبدو للوهلة الأولى تقنية أو محايدة، لكنها تثير أسئلة عميقة. من يحدد من هو «قديم»؟ وبأي معيار؟ وهل يُعقل أن يُعاد تشكيل المشهد السياسي في بلد ممزق بالصراع عبر تصنيفات تُصاغ خارج حدوده، لا عبر صناديق الاقتراع ولا من خلال حوار وطني جامع؟

في هذا السياق، يبرز اسم سيف الاسلام القذافي وهي شخصية ليبية كانت، إلى وقت قريب، حاضرة بقوة في النقاش العام، وتحظى بدعم شريحة من الليبيين باعتبارها تمثل امتداداً لشرعية وطنية مستقلة، غير مندمجة في الترتيبات السياسية المفروضة منذ سنوات. وفي الثالث من فيفري قُتلت هذه الشخصية في ظروف غامضة. فهل كان اغتيالها مجرد حدث أمني معزول؟ أم أنه جاء تتويجاً لمسار طويل من الإقصاء السياسي والتهميش، سبقته حملات تشويه وعزل ممنهجة؟

السؤال الأعمق هنا: هل أصبح إقصاء الفاعلين غير المنسجمين مع “النموذج السياسي المرغوب” شرطاً لإعادة ترتيب السلطة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فمن يضع هذا النموذج، ولصالح من؟

ولا تتوقف علامات الاستفهام عند هذا الحد. فشخصيات ليبية أخرى، على رأس مؤسسات يُفترض أنها تمثل الشرعية التشريعية، تجد نفسها اليوم على الهامش. البرلمان، والمجلس الرئاسي، وغيرهما من الهياكل الدستورية، يبدو أنها جُرّدت تدريجياً من دورها الفعلي ونقصد هنا عقيلة صالح رئيس البرلمان . لم تعد النقاشات تدور حول السيادة أو بناء الدولة، بل حول من يتحكم في مفاصل القوة الحقيقية: المصرف المركزي، المالية العامة، الموارد الطبيعية، وصناديق الاستثمار.

وتكشف وثائق متداولة عن مقاربة تقوم على «تجاوز المؤسسات التقليدية والتعامل المباشر مع الفاعلين الميدانيين». فهل يعني ذلك أن الدولة، كمفهوم ومؤسسة، لم تعد طرفاً أساسياً في تقرير مصيرها؟ وهل أصبح معيار الشرعية هو القدرة على ضمان مصالح خارجية، لا التمثيل الشعبي أو الشرعية الدستورية؟

في الإقليم الأوسع، تتقاطع هذه الأسئلة مع تحركات أمنية وسياسية لافتة. فهناك دول مجاورة تحولت إلى منصات لإعادة التموضع العسكري والأمني، عبر تعزيز دور الجيوش المحلية، أو عبر الاستعانة بشركات أمنية خاصة تعمل تحت إشراف حكومي غير مباشر. ويُطرح هنا سؤال آخر: هل نحن أمام انسحاب فعلي للقوى الخارجية، أم أمام تغيير في الأدوات فقط، من وجود مباشر إلى نفوذ بالوكالة؟

الإعلانات المتكررة عن إنهاء اتفاقيات عسكرية أو تقليص وجود أجنبي تبدو، في هذا السياق، أقرب إلى إعادة توزيع للأدوار منها إلى قطيعة حقيقية. فهل الهدف هو تهدئة الرأي العام، مع الحفاظ على القدرة على التأثير الحاسم من خلف الستار؟

ضمن هذا المشهد المعقد، يبدو مصير بعض الشخصيات الليبية وكأنه جزء من معادلة أوسع: عزل، تهميش، ثم إزاحة نهائية لكل من يجسد شرعية وطنية مستقلة أو يرفض الاندماج في ترتيبات جاهزة. وهنا تكتسب عبارة «إزالة الوجوه القديمة» معناها الأخطر: ليس بوصفها تجديداً للحياة السياسية، بل كآلية لإقصاء كل من لا يمكن التحكم فيه.

في ذلك اليوم من جانفي رُسمت – بحسب المعطيات – ملامح خارطة طريق. تقاسم للنفوذ، إعادة توزيع للمؤسسات السيادية، وتعزيز لتحالفات إقليمية تمتد من شمال إفريقيا إلى عمق الساحل. وكل ذلك يجري بعيداً عن أعين الليبيين، وبمعزل عن مؤسساتهم.

وهكذا، لم يعد السؤال المطروح: من يحكم ليبيا؟ بل: من يقرر، من الخارج، من يُسمح له بأن يحكمها؟ ومن يُعتبر فائضاً عن الحاجة السياسية؟ وبين وهم الانسحاب وحقيقة إعادة التموضع، تبقى ليبيا ساحة مفتوحة لتجاذبات تتجاوزها، بينما يُطلب من الليبيين التكيف مع قرارات لم يشاركوا في صنعها.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى

error: Content is protected !!