شهدت أسعار النفط في الأسواق العالمية ارتفاعًا ملحوظًا عقب تقارير إعلامية دولية تحدثت عن تعثّر، بل احتمال انهيار، الخطط الرامية إلى استئناف المحادثات النووية بين الولايات المتحدة وإيران. هذا التطور الجيوسياسي أعاد إلى الواجهة المخاوف القديمة المتجددة من تصاعد التوتر في منطقة الشرق الأوسط، وما قد ينجرّ عنه من اضطراب في إمدادات الطاقة العالمية.
وفي هذا السياق، سجّل خام برنت، المرجع الأساسي للأسواق الأوروبية، ارتفاعًا بنحو 3% ليبلغ قرابة 69.4 دولارًا للبرميل، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط (WTI)، المرجع الأمريكي، إلى حوالي 65.1 دولارًا للبرميل، وفق بيانات التداول الأخيرة.
لماذا ترتفع أسعار النفط؟
الأسواق النفطية شديدة الحساسية تجاه أي توتر سياسي في مناطق الإنتاج الكبرى. وإيران، باعتبارها من كبار منتجي النفط داخل منظمة «أوبك»، تمثل عنصرًا محوريًا في معادلة العرض العالمي. فشل المفاوضات النووية يعني عمليًا استمرار العقوبات الأمريكية على طهران، وبالتالي بقاء جزء مهم من النفط الإيراني خارج الأسواق، وهو ما يدفع الأسعار إلى الارتفاع بفعل تقلص المعروض وازدياد منسوب القلق لدى المستثمرين.
وللمقارنة، كانت أسعار النفط قبل نحو أسبوع تدور في حدود 66 دولارًا لبرميل برنت وقرابة 62 دولارًا لبرميل غرب تكساس، ما يعني زيادة تقارب 3 إلى 3.5 دولارات للبرميل خلال فترة وجيزة، مدفوعة أساسًا بعوامل سياسية وليست إنتاجية.
كما أن أي تصعيد محتمل في الخليج أو مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية، يُنظر إليه من قبل الأسواق كخطر استراتيجي مباشر يبرّر إضافة ما يُعرف بـ«علاوة المخاطر الجيوسياسية» على الأسعار.
التداعيات المحتملة على تونس
بالنسبة لتونس، التي تعتمد بشكل كبير على استيراد الطاقة، فإن هذا الارتفاع لا يُعد خبرًا سارًا. فكل زيادة بدولار واحد في سعر البرميل تنعكس مباشرة على:
- فاتورة الدعم، خاصة المحروقات والكهرباء؛
- عجز الميزان التجاري، نتيجة ارتفاع كلفة الواردات الطاقية؛
- القدرة الشرائية للمواطن، عبر الضغوط التضخمية وارتفاع كلفة النقل والإنتاج.
وفي ظل وضع اقتصادي دقيق، تحاول فيه الدولة التحكم في النفقات العمومية والحفاظ على التوازنات المالية، فإن استمرار الأسعار عند مستويات تقارب 70 دولارًا للبرميل أو أكثر قد يفرض خيارات صعبة على صانع القرار، سواء على مستوى منظومة الدعم أو مراجعة الأسعار المحلية.
بين الجيوسياسة والاقتصاد
ما يحدث اليوم يؤكد مرة أخرى أن الاقتصاد التونسي، رغم بعده الجغرافي عن بؤر الصراع، يظل مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالتقلبات الجيوسياسية العالمية. فقرار سياسي في واشنطن أو طهران قد تكون له انعكاسات مباشرة على كلفة التزود بالطاقة، وبالتالي على معيشة المواطن التونسي اليومية.
تعثّر المحادثات النووية الأمريكية – الإيرانية ليس مجرد حدث دبلوماسي عابر، بل عامل ضغط جديد على أسواق الطاقة العالمية، وتحدٍ إضافي لدول مستوردة للطاقة مثل تونس. وهو ما يعزز الحاجة إلى تسريع سياسات الانتقال الطاقي، وتنويع مصادر التزود، والحد من التبعية للتقلبات الخارجية التي لا تملك تونس تأثيرًا مباشرًا عليها، لكنها تدفع ثمنها اقتصاديًا واجتماعيًا.

