بينما تتواصل المفاوضات بين الجزائر وإيطاليا حول مراجعة وتجديد عقود توريد الغاز، يبرز تاريخ 2029 كنقطة فاصلة بالنسبة لتونس، ليس فقط لأنه موعد انتهاء عقد استغلال أنبوب الغاز العابر للأراضي التونسية (TransMed)، بل لأن البدائل الاستراتيجية أصبحت قائمة وجاهزة خارج الأراضي التونسية.
2019: تمديد بلا تفاوض معمّق
يعود جزء أساسي من الإشكال الحالي إلى سنة 2019، حين تمّ تمديد اتفاقية الأنبوب بين تونس والجزائر في فترة كان فيها يوسف الشاهد رئيسًا للحكومة. هذا التمديد، وفق معطيات متداولة، تمّ دون تفاوض تقني معمّق، ودون الاستعانة بخبراء مختصين في البنية التحتية الطاقية أو في اقتصاد الطاقة، ودون إدراج برنامج صيانة ملزم يتناسب مع عمر الأنبوب وتقادم مكوّناته.
هذا المعطى يطرح اليوم أسئلة ثقيلة:
- هل كان التمديد إجراءً إداريًا لتفادي الفراغ القانوني؟
- أم تفويت فرصة تفاوضية لإعادة تثبيت موقع تونس كشريك لا كمجرّد ممر؟
- وهل ساهم هذا التمديد “السريع” في إضعاف أوراق تونس قبيل 2029؟
2029: نهاية عقد… وكلفة مؤجلة
ينتهي عقد استغلال TransMed سنة 2029، بعد تمديد لعشر سنوات لم يُرافقه تصور استثماري واضح. وهو ما يعني أن:
- كلفة الصيانة تمّ ترحيلها إلى المستقبل
- القرار السياسي فُصل عن التقييم التقني
- تونس وجدت نفسها اليوم أمام أنبوب متقادم، ومعايير أوروبية أكثر صرامة، دون ضمانات تمويل أو شراكة
«غالسي» (GALSI): المسار المباشر الذي يغيّر قواعد اللعبة
في المقابل، ثبّتت الجزائر وإيطاليا مشروع “غالسي” (GALSI)، الذي تم تعزيزه خلال زيارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى روما في جويلية 2025. وهو مشروع يتميّز بـ:
- مسار مباشر من كودية الدراوش إلى سردينيا ثم روما
- قدرة استيعابية بنحو 8 مليارات م³ سنويًا
- بنية تحتية مستقبلية لنقل الغاز والهيدروجين والأمونيا والكهرباء
هذا المسار الجديد يضع TransMed أمام منافسة مباشرة، ويجعل من تمديده بعد 2029 خيارًا سياسيًا–اقتصاديًا، لا ضرورة جغرافية.
درس أنبوب النفط: حين لا تكفي الجغرافيا
تجربة أنبوب النفط من عين أميناس إلى الصخيرة مرورًا بالبرمة، الذي توقفت الجزائر عن استعماله منذ سنوات، تؤكد أن دور العبور لا يُحمى بالتاريخ وحده، بل بالتحديث، والمصالح المتبادلة، والاتفاقات المتوازنة.
أسئلة تونسية مؤجلة… لكن ملحّة
- هل ستعيد تونس فتح ملف TransMed بمنطق الشراكة لا التمديد الآلي؟
- هل يتم إشراك خبراء الطاقة والبنية التحتية هذه المرة؟
- وهل يُعالج خطأ 2019 أم يُرحّل مجددًا؟
الخلاصة
ما بعد 2029 لن يكون امتدادًا لما قبله. فتمديد 2019، الذي تمّ دون رؤية تقنية معمّقة، جعل تونس تدخل المرحلة الحاسمة بأوراق أضعف. واليوم، في ظل وجود مشروع “غالسي” ومسارات بديلة، لم يعد الخطأ مسموحًا.
السؤال لم يعد: هل سيتم التمديد؟
بل: بأي شروط… ولصالح من؟

