الرئيسيةآخر الأخبارمنظمة دولية تعد تقريرا حول مكافحة الفساد ... القوانين وحدها لا تكفي

منظمة دولية تعد تقريرا حول مكافحة الفساد … القوانين وحدها لا تكفي

في وقت تتصاعد فيه عالميًا الدعوات إلى تعزيز الشفافية وترسيخ الحوكمة الرشيدة، جاء تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بعنوان “آفاق مكافحة الفساد والنزاهة 2026: تسخير ميزة النزاهة” ليطرح إشكالًا جوهريًا يشمل عددًا واسعًا من الدول: الفجوة بين النصوص والتطبيق.

غير أن قراءة متأنية داخل المؤشرات المقارنة التي اعتمدها التقرير، تكشف أن هذه الفجوة تبدو أكثر وضوحًا وحدّة، بما يجعلها أحد أبرز التحديات التي تواجه الدولة في مسارها نحو تكريس الشفافية ومكافحة الفساد.

ترسانة قانونية متقدمة… لكن بلا أثر كافٍ

خلال السنوات الأخيرة، عملت عدة دول على بناء منظومة تشريعية تُعد، من حيث الشكل، من بين الأكثر اكتمالًا في محيطها الإقليمي. فقد تم سنّ قوانين تتعلق بالتصريح بالمكاسب، وتنظيم الصفقات العمومية، والتصدي لتضارب المصالح، فضلًا عن إحداث هياكل رقابية متعددة.

لكن تقرير المنظمة يلفت إلى أن هذه الجهود، رغم أهميتها، لم تُترجم إلى نتائج ملموسة على مستوى الحدّ من الفساد أو تحسين مؤشرات النزاهة. فالمشكل، وفق التقرير، لم يعد في غياب القوانين، بل في ضعف قدرتها على التأثير في الواقع.

ويبرز التقرير أن متوسط تطور الأطر القانونية في الدول المشمولة بالدراسة يبلغ نحو 63%، في حين لا يتجاوز مستوى التنفيذ الفعلي 44%، وهي فجوة تتسع أكثر في الدول الشريكة.

تكشف هذه الأرقام عن عطب هيكلي عميق:
الدولة تضع القوانين، لكنها لا تملك دائمًا الأدوات أو الآليات الكفيلة بتطبيقها بفاعلية.

ففي الحالة العربية تتجلى هذه الفجوة في عدة مستويات:

  • بطء الإجراءات الإدارية والقضائية
  • ضعف التنسيق بين الهياكل الرقابية
  • محدودية الموارد البشرية والتقنية
  • غياب مؤشرات دقيقة لقياس الأداء

وبذلك تتحول القوانين، مهما كانت متقدمة، إلى نصوص معطّلة أو محدودة التأثير.

سياسات بلا تقييم… واستراتيجيات دون نتائج

من بين النقاط التي شدد عليها تقرير المنظمة مسألة ضعف تقييم سياسات مكافحة الفساد. فعدد مهم من الدول، وخاصة غير الأعضاء، لا يعتمد آليات صارمة لقياس مدى نجاح استراتيجياته.

وفي عدد من الدول ينعكس هذا الخلل في:

  • غياب تقارير تقييم دورية قائمة على معايير واضحة
  • ضعف الربط بين الأهداف المعلنة والنتائج الفعلية
  • محدودية الشفافية في نشر المعطيات

النتيجة هي سياسات تُعلن في شكل برامج واستراتيجيات، لكنها لا تُقاس ولا تُحاسب على أساس نتائجها.

الصفقات العمومية: الحلقة الأكثر هشاشة

يُبرز التقرير أن العديد من الدول لا توجّه جهودها نحو القطاعات الأكثر عرضة للفساد، وعلى رأسها الصفقات العمومية والعلاقة بين القطاعين العام والخاص.

وفي معظم الدول تمثل هذه المجالات:

  • نقطة التقاء المال العام بالقرار الإداري
  • ومجالًا عالي المخاطر من حيث شبهات الفساد

ورغم وجود إطار قانوني ينظم الصفقات العمومية، فإن:

  • آليات الرقابة المسبقة تبقى محدودة
  • وإدارة المخاطر لا تزال غير مفعّلة بالشكل الكافي
  • كما أن الشفافية في المعطيات ليست دائمًا بالمستوى المطلوب

وهو ما يجعل هذه القطاعات من أبرز “المناطق العمياء” في منظومة النزاهة.

الرقمنة الغائبة: فرصة مهدورة

في عالم يشهد ثورة رقمية متسارعة، يضع تقرير المنظمة استخدام التكنولوجيا في صلب جهود مكافحة الفساد. ومع ذلك، يشير إلى أن أقل من نصف الدول تعتمد أدوات متقدمة مثل تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي.

في المقابل، تبدو العديد من البلاد العربية :

  • متأخرة نسبيًا في هذا المجال
  • مع اعتماد محدود على الأنظمة الرقمية في رصد الفساد

ويترتب عن ذلك:

  • صعوبة اكتشاف الأنماط المعقدة للفساد
  • بطء في معالجة الملفات
  • ضعف في الشفافية وإتاحة البيانات

في حين أن الرقمنة، لو تم استثمارها بشكل فعّال، يمكن أن تمثل نقطة تحوّل حاسمة في هذا المسار.

من “محاربة الفساد” إلى “بناء النزاهة”

من أبرز التحولات المفاهيمية التي يدعو إليها التقرير، الانتقال من منطق “محاربة الفساد” إلى منطق أوسع يقوم على بناء منظومة نزاهة متكاملة.

هذا التحول يقوم على:

  • الوقاية بدل الاكتفاء بالعلاج
  • إدارة المخاطر بدل ردّ الفعل
  • اعتماد البيانات والتكنولوجيا بدل الآليات التقليدية

وفي هذا السياق، تبدو البلدان العربية في مرحلة انتقالية، حيث لم تستكمل بعد هذا التحول، ولا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على المقاربة الكلاسيكية.

الأولويات المطروحة:

  • تقليص فجوة التنفيذ بين القوانين والتطبيق
  • تطوير آليات تقييم قائمة على مؤشرات دقيقة
  • تسريع الرقمنة في الإدارة والرقابة
  • توجيه الجهود نحو القطاعات الأكثر عرضة للفساد
  • تعزيز التنسيق بين مختلف الهياكل

خاتمة

في المحصلة، لا يطرح تقرير “آفاق مكافحة الفساد والنزاهة 2026” سؤالًا حول ما إذا كانت هذه الدول تمتلك القوانين اللازمة، بل يطرح سؤالًا أكثر عمقًا:

هل تمتلك القدرة على تحويل هذه القوانين إلى نتائج ملموسة؟

في الإجابة عن هذا السؤال يتحدد مستقبل معركة النزاهة بين دولة تكتفي بإعلان الحرب على الفساد، وأخرى تنجح فعليًا في كسبها.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى