الرئيسيةآخر الأخبارمنع المناولة في تونس ...إعتراض في الوقت الضائع

منع المناولة في تونس …إعتراض في الوقت الضائع

أثار تطبيق قانون منع المناولة وتنظيم عقود الشغل جدلًا متصاعدًا داخل مجلس نواب الشعب وخارجه، بعد أن عبّر نائبان عن كتلتهما البرلمانية، هما مصطفى البوبكري وعماد أولاد جبريل، عن تحفظات واضحة بشأن النتائج الاجتماعية التي أفرزها تنزيل القانون على أرض الواقع.

فقد اعتبر النائب مصطفى البوبكري أن تطبيق القانون أفرز تداعيات سلبية على عدد من العمال، في حين ذهب النائب عماد أولاد جبريل إلى توصيف ما يحدث بـ”الحقيقة المُرّة”، مشيرًا إلى أن القانون، رغم وجاهة أهدافه، كشف اختلالات عميقة في طريقة التعاطي مع ملف التشغيل الهش، سواء داخل القطاع الخاص أو في مؤسسات الدولة نفسها.

وأوضح أولاد جبريل، في تدوينة له، أن الدولة لم تُسوِّ بعدُ وضعيات التشغيل الهش داخل هياكلها العمومية، ولم تقدّم نموذجًا عمليًا يُحتذى به، لكنها سارعت إلى فرض القانون على القطاع الخاص دون تدرّج أو بدائل واضحة، وهو ما أدّى، بحسبه، إلى فسخ عقود وتسريح عمّال، بدل تحقيق الاستقرار المهني المنشود.

تصويت برلماني واسع… دون اعتراض

ويُذكر أن مجلس نواب الشعب كان قد صادق على مشروع القانون فجر 21 ماي 2025 بأغلبية مريحة، حيث صوّت 121 نائبًا لفائدته، مع تسجيل 4 احتفاظات فقط ودون أي صوت معارض، في تصويت عكس حينها توافقًا سياسيًا واسعًا حول ضرورة إنهاء التشغيل الهش.

غير أن هذا التوافق لم يُرفق، وفق عدد من الملاحظين، بنقاش معمّق حول آليات التطبيق أو الكلفة الاقتصادية والاجتماعية للإصلاح، خاصة في ظل هشاشة النسيج الاقتصادي وارتفاع نسب البطالة، ولا سيما في الجهات الداخلية.

فجوة بين النصّ والتطبيق

ما أفرزه تطبيق القانون كشف أن الإشكال لا يكمن في مبدأ الإصلاح، بل في غياب السياسات العمومية المرافقة له. فقد طُبّق القانون دفعة واحدة، دون فترة انتقالية واضحة، ودون إجراءات دعم حقيقية للمؤسسات المعنية، ودون شبكات أمان اجتماعي كفيلة بحماية العمّال خلال مرحلة الانتقال.

هذا الواقع دفع عددًا من المؤسسات إلى اتخاذ قرارات احترازية، تمثلت في فسخ عقود أو تقليص النشاط، مخافة التبعات القانونية، وهو ما انعكس مباشرة على مواطن الشغل.

إشكالية القدوة داخل القطاع العمومي

أحد أبرز محاور الجدل، كما أثاره النائب عماد أولاد جبريل، يتمثل في ازدواجية الدولة، التي تطالب القطاع الخاص بتطبيق صارم للقانون، في حين لم تنهِ بعدُ أشكال التشغيل الهش داخل مؤسساتها. وهو ما يطرح، وفق مراقبين، إشكال المصداقية والقدرة على فرض إصلاحات هيكلية دون البدء بتطبيقها داخل القطاع العمومي.

أي إصلاح لسوق الشغل؟

يعيد هذا الجدل طرح سؤال جوهري حول طبيعة الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية في تونس:
هل يكفي سنّ القوانين لتحقيق العدالة الاجتماعية؟
أم أن الإصلاح يتطلّب مقاربة شاملة، تقوم على التدرّج، والحوار الاجتماعي، ومرافقة المتدخلين، وتقييم الأثر قبل وبعد التطبيق؟

في المحصلة، يبدو أن قانون منع المناولة، رغم وجاهة أهدافه، تحوّل في بعض الحالات إلى عامل ضغط اجتماعي، ما يعكس الحاجة إلى مراجعة منهجية الإصلاح، لا من حيث المبادئ، بل من حيث آليات التنفيذ.

فالقوانين، كما يردّد مختصون، لا تُقاس بنصوصها فقط، بل بقدرتها الفعلية على حماية مواطن الشغل وضمان الاستقرار الاجتماعي، خاصة في سياق اقتصادي هشّ ومعقّد.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى

error: Content is protected !!