الرئيسيةآخر الأخبارمن يقرّر مصير الأراضي في تونس: المجتمعات المحلية أم مشاريع الطاقة؟

من يقرّر مصير الأراضي في تونس: المجتمعات المحلية أم مشاريع الطاقة؟

أصدرت جامعة الأمم المتحدة United Nations University تقريراً جديداً أثار نقاشاً متزايداً حول العلاقة المعقّدة بين التوسع في الطاقات المتجددة والإدارة المستدامة للأراضي، محذّراً من أن الانتقال الطاقي، رغم ضرورته لمواجهة تغيّر المناخ، قد يتحوّل إلى مصدر توتر اجتماعي وبيئي إذا لم يُدار بحوكمة عادلة ورؤية شاملة.

ويطرح التقرير تساؤلاً محورياً: هل يمكن أن تتحول مشاريع الطاقة الشمسية والريحية إلى تهديد مباشر لحقوق المجتمعات المحلية في التصرّف في أراضيها، خاصة في البلدان التي تعتمد فيها الفئات الريفية على الأرض كمصدر رزق أساسي، مثل تونس؟

ويؤكد التقرير أن نجاح الانتقال الطاقي لا يُقاس فقط بعدد محطات إنتاج الكهرباء من الشمس أو الرياح، بل بمدى قدرته على حماية الإنسان والأرض في آن واحد. فالتوسع السريع في هذا القطاع، إذا تم دون تخطيط دقيق، قد يفرض ضغوطاً حقيقية على الأراضي الزراعية والنظم البيئية، خصوصاً في المناطق الريفية أو الهشّة بيئياً، حيث ترتبط سبل العيش مباشرة باستغلال الأرض.

ورغم هذه المخاوف، يوضّح التقرير أن الطاقات المتجددة ليست بالضرورة خطراً على الأراضي أو المجتمعات المحلية. بل يمكن أن تتحول إلى فرصة تنموية حقيقية إذا أُدرجت ضمن مقاربة متكاملة تراعي الخصوصيات المحلية. ويشدّد الخبراء على أن اختيار مواقع المشاريع يُعد عاملاً حاسماً في تقليل النزاعات، من خلال توجيه الاستثمارات نحو الأراضي المتدهورة، أو المناطق الصناعية القديمة، أو الأسطح الحضرية، بدلاً من استنزاف الأراضي الزراعية المنتجة أو المساحات الطبيعية الحسّاسة.

ويبرز التقرير جملة من الأفكار الاستراتيجية التي يمكن أن تُحدث فارقاً في هذا المجال، من بينها الإقرار بأن التوسع في الطاقات المتجددة سيُغيّر بشكل جذري استخدامات الأراضي، وهو تحوّل يجب أن يتم بوعي لتجنّب تدهور التربة وتشتيت النظم البيئية وتهديد سبل العيش، خاصة في المناطق الهشّة.

كما يشير إلى حلول مبتكرة مثل “الزراعة الشمسية” (agrivoltaics)، وهي أنظمة تسمح بإنتاج الطاقة بالتوازي مع الزراعة أو الرعي أو حماية التنوع البيولوجي، ما يحدّ من التعارض التقليدي بين الأمن الغذائي والأمن الطاقي، ويعزّز الإنتاجية بدل تقليصها.

ويذهب التقرير أبعد من ذلك، معتبراً أن مشاريع الطاقة المتجددة يمكن أن تساهم في استعادة الأراضي المتدهورة إذا أُقيمت في مواقع تخدم إعادة تأهيل التربة والنظم البيئية، بدلاً من أن تكون سبباً إضافياً في تدهورها.

ويخلص الخبراء إلى أن تحقيق هذا التوازن الدقيق يتطلب سياسات عمومية قوية وحوكمة عادلة، تقوم على تخطيط متكامل بين قطاعات الطاقة والزراعة وحماية البيئة، إلى جانب إشراك المجتمعات المحلية بشكل فعلي في اتخاذ القرار، وضمان حقوقها في استخدام الأرض والموارد.

وفي هذا السياق، تبرز تونس كأحد الأمثلة الإقليمية على تسارع الاستثمار في الطاقات المتجددة، في إطار استراتيجيتها لتنويع مزيج الطاقة وتقليص التبعية للوقود الأحفوري. فقد أطلقت السلطات خلال السنوات الأخيرة عدداً من المشاريع في مجال الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، شملت ولايات داخلية وساحلية، واعتمدت أساساً على آليات الشراكة مع القطاع الخاص، إضافة إلى صيغ الشراكة بين القطاعين العام والخاص. وتهدف هذه المشاريع إلى رفع مساهمة الطاقات المتجددة في الإنتاج الوطني للكهرباء، وتحقيق أهداف مناخية واقتصادية متوسطة وبعيدة المدى.

كما شهدت هذه المشاريع دخول شركاء دوليين من عدة بلدان، من أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية، سواء عبر الاستثمار المباشر أو التمويل أو نقل التكنولوجيا. ويطرح هذا الانفتاح، رغم ما يحمله من فرص لدعم الانتقال الطاقي وتطوير البنية التحتية، تساؤلات إضافية حول كيفية ضمان توازن المصالح بين المستثمرين الأجانب والدولة والمجتمعات المحلية، خاصة في ما يتعلق باستغلال الأراضي، وآليات التشاور، والتعويض، وحماية الأنشطة الفلاحية والرعوية. وهي أسئلة تصبح أكثر إلحاحاً في ظل تنامي حجم المشاريع واتساع رقعتها الجغرافية، ما يجعل الحوكمة الشفافة وإشراك السكان المحليين عاملاً حاسماً في تحويل الطاقات المتجددة إلى مسار تنموي جامع، لا إلى مصدر توتر اجتماعي جديد.

وبين الحاجة الملحّة للانتقال الطاقي ومطلب العدالة المجالية والاجتماعية، يبقى السؤال مطروحاً: هل ستتحول الطاقات المتجددة إلى رافعة تنمية مستدامة تحمي الأرض وأهلها، أم إلى مصدر جديد للصراع حول من يملك حقّ القرار في الأرض؟

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى

error: Content is protected !!