في ظل التطور المتواصل للبنية التحتية وشحن البضائع ونجاح خبراء الطيران التونسيين على المستوى العالمي، تطرح تساؤلات استراتيجية جديدة حول دور تونس في صناعة الطيران، بما يتجاوز مجرد النقل الجوي.
ويبرز قطاع الصيانة والإصلاح ومراجعة الطائرات (Maintenance, Repair and Overhaul – MRO) كفرصة واعدة، حيث يمتلك هذا القطاع القدرة على توفير وظائف عالية القيمة، تخصصات فنية، ودخل منتظم من العملة الأجنبية. ويشير الخبراء إلى أن تونس تمتلك مزايا مهمة، منها تقاليد طويلة في التدريب الفني، وقوة عاملة ماهرة، وتكاليف عمل تنافسية، إضافة إلى أن المهندسين والفنيين التونسيين يعملون في مراكز صيانة كبرى حول العالم، مما يعزز سمعة الخبرة المحلية.
ويضيف المصدر Global Aviation Spotters أن الموقع الجغرافي لتونس يضيف ميزة إضافية، فهي تقع بين أوروبا وأفريقيا، وعلى مسافة قصيرة جوًا من الأسواق الكبرى، ما يجعلها مناسبة لتوقفات الصيانة والعمليات الإقليمية. وتوضح منشآت مثل Tunisair Technics وSabena Technics القدرة التقنية والثقافة الراسخة في مجال الصيانة.
غير أن الواقع العملي يظهر أن معظم أنشطة الصيانة تقتصر على الأساطيل الوطنية، خصوصًا طائرات Tunisair وNouvelair، مع بعض الخدمات المتفرقة لمشغلي الطيران الليبيين. ولم تتمكن تونس بعد من وضع نفسها كمركز إقليمي لصيانة الطائرات قادر على جذب أعمال منتظمة من شركات الطيران.
ويشير المصدر إلى أن هذا الوضع يمثل فرصة اقتصادية ضائعة، إذ أن العديد من شركات الطيران الأفريقية ما زالت تنقل طائراتها إلى أوروبا أو الشرق الأوسط لإجراء الصيانات الثقيلة، بما يزيد التكاليف ويطيل أوقات الخدمة، بينما نجحت دول مثل جنوب إفريقيا وإثيوبيا في بناء منظومات MRO متكاملة لخدمة شركات الطيران القارية، مستحوذة على الطلب على الصيانة وتعزيز ريادتها في الطيران.
وترى التقارير أن تونس تمتلك الأساسيات اللازمة: قوة عاملة ماهرة، تكاليف تنافسية، قرب من الأسواق الرئيسية، وبنية تحتية تقنية موجودة. وما تزال الحاجة قائمة لتوسيع النطاق، وزيادة الاستثمارات، ووضع استراتيجية واضحة لجذب الأعمال المنتظمة من الأطراف الخارجية.
فالـصيانة والاصلاح في عالم الطيران ليس مجرد دعم لوجستي، بل صناعة قائمة بذاتها. والسؤال المطروح: هل تستطيع تونس جذب أعمال صيانة منتظمة من شركات الطيران الأخرى؟ وهل يمكن أن يتحول هذا القطاع إلى مصدر للعملة الأجنبية ووظائف متخصصة؟

