أثارت تصريحات الخبير الأمني علي الزرمديني، التي اعتبر فيها أن من “حقّ تونس سياديًا رفض قبول الدواعش المرحّلين” وأن محاكمتهم يجب أن تتمّ حيث ارتُكبت الجرائم، جدلًا قانونيًا واسعًا، خاصة في ظلّ نشر السلطات العراقية قائمة بأسماء منتمين إلى تنظيم داعش تمّ نقلهم من سوريا إلى العراق.
ورغم وجاهة المخاوف الأمنية التي عبّر عنها المتدخل، فإنّ المقاربة القانونية الدولية تطرح معطيات أكثر تعقيدًا مما يبدو في الخطاب السياسي أو الإعلامي.
مبدأ مكان الجريمة… ليس قاعدة مطلقة
صحيح أن القاعدة العامة في القانون الجنائي الدولي تفيد بأن محكمة مكان ارتكاب الجريمة هي المختصة أصلاً بالنظر فيها (مبدأ الإقليمية). غير أنّ هذه القاعدة ليست حصرية ولا مانعة لاختصاص دول أخرى، إذ تسمح الأنظمة القانونية المقارنة بممارسة الاختصاص الشخصي (على أساس جنسية الفاعل)، وهو ما تعتمدُه عديد الدول في قضايا الإرهاب والجرائم العابرة للحدود.
بمعنى آخر، ليس هناك ما يمنع قانونًا من أن تُحاكم تونس مواطنيها على أفعال ارتُكبت خارج أراضيها، إذا كانت تشكّل جرائم بموجب قانونها الوطني، وهو ما ينصّ عليه قانون مكافحة الإرهاب التونسي.
هل يجيز القانون الدولي رفض استقبال المواطنين؟
المسألة الأكثر حساسية تتعلق بإمكانية “رفض” استقبالهم.
القانون الدولي لحقوق الإنسان، وخاصة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادة 12 فقرة 4)، ينصّ صراحة على أنه: “لا يجوز حرمان أحد، تعسفاً، من الحق في دخول بلده”. هذا الحق مطلق في صياغته ولا يُقيد إلا في أضيق الحدود، بشرط أن تكون الجنسية ثابتة ولم تُسحب تعسفياً.
هذا النص يُفهم قانونًا على أنّ الدولة لا يمكنها رفض دخول مواطنيها بشكل مطلق طالما ثبتت جنسيتهم ولم تُسحب منهم وفق إجراءات قانونية سليمة ومتوافقة مع المعايير الدولية.
كما أن إسقاط الجنسية لتفادي الاستعادة يظلّ مقيّدًا بعدم خلق حالة انعدام جنسية، وهو ما تحظره الاتفاقيات الدولية.
بالتالي، فإن القول بوجود “حق سيادي مطلق” في الرفض يتعارض مع الاتجاه الغالب في القانون الدولي، الذي يحمّل الدولة مسؤولية رعاياها، حتى وإن تورطوا في جرائم خطيرة.
المقارنة مع دول أوروبية
صحيح أن بعض الدول الأوروبية تبنّت سياسات متشددة، غير أن عددًا منها واجه انتقادات قضائية وحقوقية، بل إن محاكم أوروبية أقرت في بعض الحالات بوجوب دراسة طلبات الاستعادة، خاصة بالنسبة للنساء والأطفال.
وعليه، فالمقارنة بالدول الأوروبية لا تعني بالضرورة وجود سند قانوني صريح يسمح بالرفض المطلق، بل تعكس في جزء منها اعتبارات سياسية وأمنية داخلية.
الأمن القومي لا يُناقض المحاكمة الوطنية
لا خلاف في أن العائدين من بؤر التوتر قد يمثلون تهديدًا أمنيًا جديًا. غير أن التعامل مع هذا التهديد لا يكون بالتنصل القانوني، بل عبر:
- الاستعادة المنظمة؛
- الإيقاف الفوري عند الوصول؛
- المحاكمة وفق قانون مكافحة الإرهاب؛
- تطبيق أقصى العقوبات المقررة قانونًا؛
- إخضاعهم لمراقبة أمنية لاحقة إن اقتضى الأمر.
فالمعادلة القانونية ليست بين “القبول المطلق” و”الرفض المطلق”، بل بين تحمّل المسؤولية القانونية وترك الملف خارج السيطرة الوطنية.
بين الخطاب والانضباط القانوني
وصف العائدين بأنهم “لا مكان لهم بيننا” يعكس موقفًا عاطفيًا مفهومًا في ظلّ فظاعة الجرائم الإرهابية، غير أنّ الدولة الحديثة تُقاس بمدى التزامها بالقانون حتى في أصعب الملفات.
السيادة لا تعني التخلي عن الالتزامات الدولية، بل تعني ممارسة الاختصاص القضائي والأمني داخل الإطار الوطني.
وفي المحصلة، يبقى الخيار الأكثر انسجامًا مع القانون الدولي ومع منطق الدولة هو:
استعادة المواطنين ومحاكمتهم في تونس، بدل تركهم رهائن ترتيبات خارجية قد لا تخدم المصلحة الوطنية على المدى البعيد.

