كشفت صحيفة الواشنطن بوست اليوم في تقرير لها اليوم أن دراسة علمية مدعومة من الولايات المتحدة، من المقرّر أن تبحث التأثيرات الصحية العامة لتوقيت إعطاء جرعات لقاح التهاب الكبد B على نحو 14 ألف رضيع في دولة غينيا-بيساو بغرب أفريقيا، أثارت مخاوف أخلاقية لدى علماء ومسؤولين سابقين، إضافة إلى حالة من الارتباك بسبب تقارير متضاربة حول ما إذا كان البحث سيمضي قدمًا أم لا.
وفي الشهر الماضي، منحت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها الأميركية (CDC) باحثين دنماركيين تمويلًا بقيمة 1.6 مليون دولار، دون مسار تنافسي، لإجراء الدراسة. وبحسب بيان صادر عن مشروع الصحة بانديم التابع لجامعة جنوب الدنمارك، سيحصل بعض الرضّع المشاركين على جرعة اللقاح عند الولادة، فيما يحصل آخرون على الجرعة بعد ستة أسابيع. ومن المقرّر تتبّع المشاركين على مدى خمس سنوات، مع توثيق الوفيات المبكرة، والأمراض، والنتائج التنموية طويلة الأمد، وفق الباحثين.
وأثار هذا التمويل قلق خبراء بارزين ومسؤولين سابقين بسبب ما اعتبروه انتهاكات محتملة للمعايير الأخلاقية المعتمدة في البحوث الطبية، وما قد يترتب عنها من تقويض الثقة في التلقيح في واحدة من أفقر دول العالم وغيرها.
ويُعد التهاب الكبد B شائعًا نسبيًا في غينيا-بيساو. ورغم أن السياسة المعتمدة حاليًا تقضي بإعطاء الجرعة الأولى بعد ستة أسابيع، فإن البلاد تستعد للانتقال إلى جرعة عند الولادة، وهو المعيار الذي توصي به منظمة الصحة العالمية، مدفوعًا إلى حد كبير بفعالية التوقيت المبكر في منع انتقال العدوى، بما في ذلك من الأم إلى الطفل.
ويرى منتقدو الدراسة أن توزيع الأطفال عشوائيًا على بروتوكول علاجي أدنى يُعد غير أخلاقي، حتى وإن كان يتماشى مع عرف محلي لم يتغيّر بعد.
وفي خضم الجدل، أصبح مصير الدراسة محل تساؤل. فقد قالت المراكز الأفريقية للسيطرة على الأمراض والوقاية منها (التابعة للاتحاد الأفريقي ولا علاقة لها بالوكالة الأميركية) هذا الأسبوع إن الدراسة أُلغيت، استنادًا إلى وثيقة غير مؤرخة نُسبت إلى حكومة غينيا-بيساو الجديدة عقب انقلاب عسكري العام الماضي. غير أن الولايات المتحدة قالت خلاف ذلك؛ إذ أكد المتحدث باسم وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأميركية أندرو نيكسون يوم الجمعة أن البحث سيمضي قدمًا.
وأضاف نيكسون: «شاركت المراكز الأفريقية للسيطرة على الأمراض مراسلات قديمة لا علاقة لها بالتجربة، في إطار حملة علاقات عامة تهدف إلى تشكيل الرأي العام بدل الانخراط في الحقائق العلمية».
ولم يردّ الباحثون ولا حكومة غينيا-بيساو على الاستفسارات بشأن وضع الدراسة في ضوء تصريحات المراكز الأفريقية، كما لم تردّ هذه الأخيرة على أسئلة حول ادعائها الإلغاء.
ويأتي هذا التمويل البحثي في سياق تغييرات على جدول تلقيح الأطفال في الولايات المتحدة وتدقيق داخلي في جرعة التهاب الكبد B عند الولادة، رغم الإجماع الواسع بين الخبراء الطبيين على أنها آمنة وفعّالة. ففي وقت سابق من هذا الشهر، توقّف مسؤولون صحيون اتحاديون عن التوصية بتلقيح كل الأطفال ضد فيروس الروتا والإنفلونزا والمرض السحائي والتهاب الكبد A، واكتفوا بالتوصية بها للفئات عالية المخاطر أو بناءً على رأي الطبيب، في مسعى لمواءمة جدول التلقيح الأميركي مع النموذج الدنماركي. وفي ديسمبر، رفعت لجنة استشارية للقاحات توصيتها بإعطاء جميع المواليد لقاح التهاب الكبد B عند الولادة، مستشهدة بالنموذج الدنماركي الذي يوصي باللقاح فقط للفئات عالية المخاطر.
وقال جيروم إم. آدامز، الذي شغل منصب الجرّاح العام في إدارة ترامب الأولى، إن جرعة الولادة من لقاح التهاب الكبد B «لقاح مثبت منذ زمن طويل». واعتبر أن تمويل الولايات المتحدة لدراسة مشروع بانديم يمثل «تبريرًا لاحقًا لتغييرات سياسية داخلية حديثة».
وأضاف آدامز: «لقد حظرت المعايير الأخلاقية تاريخيًا توزيع المشاركين عشوائيًا على رعاية أدنى عندما يكون التدخل الآمن والفعّال هو المعيار العالمي».
وقال باحثون مشاركون في الدراسة إن الرضّع في مجموعة الضبط يخضعون فقط لجدول التلقيح الحالي في البلاد، وإن كثيرًا من الجدل نابع من «ادعاءات خاطئة بأن الأطفال سيُحرمون من لقاحات كانوا سيحصلون عليها». لكن علماء آخرين يرون أن ذلك لا يحل الإشكال الأخلاقي، لأن غياب جرعة الولادة في البلاد يعكس «فشلًا في التطبيق» لا «شكًا في الفائدة»، بحسب ما كتبته بوغوما كابيسن تايتنجي، خبيرة الأمراض المعدية بجامعة إيموري.
وقال مسؤول في وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأميركية إن بروتوكول توقيت الجرعات لا يزال قيد الاستكمال، متحدثًا بشرط عدم الكشف عن هويته.
وأشار آدامز إلى أن أبحاث مشروع بانديم خضعت للتدقيق سابقًا. ففي عام 2017، نشر الفريق دراسة ربطت بين اللقاح الثلاثي (الدفتيريا–الكزاز–السعال الديكي) وزيادة وفيات الرضّع. واستشهد روبرت إف. كينيدي الابن، وزير الصحة والخدمات الإنسانية، بتلك الدراسة عندما علّق مساهمات الولايات المتحدة في تحالف اللقاحات العالمي (GAVI) في جوان. ووصف توم فريدن، المدير السابق لـCDC، دراسة 2017 بأنها «معيبة جوهريًا»، معتبرًا أن طريقة تحليل سجلات الوفيات أدت إلى «نتائج زائفة». وفي رسالة بريدية، أعرب فريدن عن قلقه من منحة دراسة التهاب الكبد B، ولا سيما منحها دون مسار تنافسي.
وقال فريدن: «إن إصدار عقد بهذا الحجم دون مناقصة يُعد انتهاكًا لمتطلبات أساسية للشفافية والمساءلة».
ودافعت إدارة ترامب عن المشروع. وقالت المتحدثة باسم وزارة الصحة إميلي جي. هيليارد إن الدراسة «ستجيب عن أسئلة مهمة حول التأثيرات الصحية الأوسع للقاح التهاب الكبد B».
وأكدت تايتنجي أن نتائج الدراسة لا يمكن تعميمها على الولايات المتحدة بسبب اختلاف المشهد الصحي جذريًا عن غينيا-بيساو.
ويهاجم فيروس التهاب الكبد B الكبد وقد يؤدي إلى مضاعفات مثل أمراض الكبد المزمنة والتشمّع وسرطان الكبد. ووفق الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال، فإن نحو 90% من الرضّع المصابين عند الولادة يطوّرون عدوى مزمنة، ويموت 25% منهم مبكرًا بسبب المرض. وفي غينيا-بيساو، يعيش قرابة واحد من كل خمسة أشخاص مع الفيروس، بحسب منظمة الصحة العالمية.
وقال باحثو مشروع بانديم إنهم يدرسون التأثيرات الثانوية لجرعة الولادة، مثل الوفيات والمراضة. وذكرت كريستين ستابيل بين، رئيسة المشروع، أن الدراسة «تسد فجوة مهمة في المعرفة العلمية» حول التأثيرات الصحية العامة لجرعة الولادة.
لكن الفائدة الأساسية لجرعة الولادة—منع عدوى التهاب الكبد B—هي «علم محسوم»، ولا تبرّر «توزيع الأطفال عشوائيًا لعدم تلقي تدخل مثبت»، بحسب تايتنجي.
وأضافت أن العوامل البيئية والاجتماعية والسياقية في غينيا-بيساو—مثل الفقر وعدم الاستقرار السياسي وارتفاع عبء الأمراض ووفيات الرضّع وضعف الوصول إلى الرعاية الصحية—قد تؤثر في نتائج الدراسة، ما يجعل من الصعب عزو أي نتيجة إلى توقيت الجرعة وحده.
وحذّرت تايتنجي أيضًا من أن إجراء دراسة على لقاح «مُلحّ جدًا ومثبت الفاعلية» في غينيا-بيساو قد يزيد من عدم الثقة باللقاحات.
وقال آدامز إن الدراسات التي تنتهك الإرشادات الأخلاقية تلامس تاريخًا مظلمًا لا يزال يؤثر في نظرة الناس إلى اللقاحات. واستحضر دراسة توسكيجي للزهري (1932–1972)، حيث تُرك مئات الرجال السود الفقراء دون علاج دون موافقة مستنيرة، وتوفي ما يصل إلى 100 منهم.
وأضاف آدامز أن ما يحدث «يستدعي توسكيجي باستغلال فئة مهمّشة مع تجنّب الإشراف الأميركي الكامل، وبمخالفة إعلان هلسنكي لحماية الفئات الضعيفة».
وخلال تفشّي التهاب السحايا في شمال نيجيريا عام 1996، أجرى باحثون من شركة فايزر تجربة سريرية على 200 طفل دون موافقة ذويهم، وتوفي 11 طفلًا وتعرّض آخرون لإعاقات دائمة—وهي وقائع لا تزال تغذّي مخاوف اللقاحات في أفريقيا وبين المجتمعات السوداء في الولايات المتحدة.
وقال مشروع بانديم إن اللجنة الوطنية للأخلاقيات في غينيا-بيساو وافقت على الدراسة في نوفمبر. غير أن عدم موافقة مجلس أخلاقيات في الدنمارك أو الولايات المتحدة—حيث مُنحت المنحة—يثير تساؤلات إضافية حول استغلال فئة ضعيفة بسبب ضعف البنية التحتية للتلقيح.
ووصفت جيسيكا مالَتي ريفيرا، عضو مجموعة «الدفاع عن الصحة العامة»، الدراسة بأنها «مسرحية»، قائلة: «لن يوافق أي مجلس أخلاقي في الولايات المتحدة على شيء كهذا… لذلك يذهبون إلى مكان يمكنهم الإفلات فيه».

