أثار مقترح القانون عدد 15 لسنة 2026 المتعلق بـ“الأمن القومي التربوي”عدة تساؤلات خاصة في ما يتعلق بالتنصيص على السجن المؤبد لمرتكبي الاعتداءات الجنسية ضد القصر داخل المؤسسات التربوية. غير أن قراءة دقيقة للمنظومة الجزائية الحالية تطرح سؤالاً مباشراً: هل يوجد فعلاً فراغ تشريعي في جريمة الاغتصاب يستوجب سنّ قانون جديد؟
عقوبة قائمة تصل إلى السجن بقية العمر
الفصل 227 (جديد) من المجلة الجزائية التونسية، كما تم تنقيحه في إطار تطوير التشريعات المتعلقة بمناهضة العنف، يجرّم كل إيلاج جنسي دون رضا الضحية، ذكراً كان أو أنثى، ويعاقب عليه بالسجن لمدة عشرين سنة.
وترتفع العقوبة إلى السجن بقية العمر في حالات التشديد، ومن بينها:
- إذا كان الضحية طفلاً دون عشر سنوات،
- إذا استُعمل العنف أو السلاح أو التهديد الخطير،
- إذا كان الجاني من الأصول أو الفروع أو ممن لهم سلطة على الضحية.
وبالتالي، فإن أقصى عقوبة ينصّ عليها مقترح “الأمن القومي التربوي” — أي السجن المؤبد — موجودة بالفعل في النص الجزائي النافذ.
لا فراغ تشريعي في تعريف الجريمة
من الناحية القانونية، جريمة الاغتصاب معرفة بوضوح في المجلة الجزائية، وتشمل جميع الحالات دون تمييز في مكان ارتكاب الجريمة.
فإذا وقعت الجريمة داخل مؤسسة تربوية، فإنها تبقى اغتصاباً مكتمل الأركان، وتطبّق بشأنها نفس العقوبات المشددة، بل ويمكن اعتبار صفة الجاني أو سنّ الضحية ظرفاً إضافياً للتشديد.
وعليه، لا يظهر وجود نقص في التجريم أو في سقف العقوبة.
بين التشديد الرمزي وتطبيق القانون
يرى عدد من المتابعين أن إعادة التنصيص على عقوبة المؤبد في نص جديد قد يندرج ضمن مقاربة رمزية تهدف إلى إظهار صرامة أكبر تجاه الجرائم المرتكبة في الوسط المدرسي، دون أن يضيف ذلك جديداً من حيث الردع القانوني.
فالعقوبة القصوى موجودة، والنص الجزائي واضح، والآليات القضائية قائمة.
والسؤال المطروح هنا:
هل تكمن المشكلة في غياب نص قانوني، أم في كيفية تطبيق النصوص القائمة وتسريع إجراءات التقاضي وضمان حماية الضحايا؟
مبدأ الاقتصاد التشريعي
في الفقه الدستوري، يُطرح مفهوم “الاقتصاد التشريعي”، أي تجنّب سنّ قوانين مكررة ما دام النص القائم يحقق الغاية المرجوة.
فإعادة تجريم فعل مجرّم أصلاً بنفس العقوبة القصوى قد يثير نقاشاً حول جدوى المسار التشريعي الجديد، خاصة إذا لم يتضمن تعريفاً مغايراً للجريمة أو عقوبة أشد من الموجودة.
جوهر المسألة
في ما يخص جريمة الاغتصاب تحديداً، تبدو المنظومة القانونية التونسية متضمنة لأقصى درجات الردع، بما في ذلك السجن بقية العمر في حالات التشديد.
وعليه، فإن النقاش لا يتعلق بغياب تجريم أو ضعف في العقوبة، بل بمدى الحاجة إلى إعادة صياغة نص قائم دون تغيير جوهري في المضمون.
ويبقى الرهان الحقيقي — وفق مختصين — في:
- حسن تطبيق القانون،
- تسريع البت في القضايا،
- توفير الإحاطة النفسية والقضائية للضحايا،
- وضمان عدم الإفلات من العقاب.
أما من حيث النص، فإن أقصى العقوبات موجودة بالفعل في المجلة الجزائية النافذة.

