أعرب الصحفي والباحث في الشأن التراثي محسن عبد الرحمان عن استغرابه من الاهتمام الإعلامي المفاجئ بالموقع الأثري بالماطرية خلال الأيام الأخيرة، معتبرًا أن جزءًا كبيرًا من التغطيات الإعلامية افتقد إلى الدقة الجغرافية والمعرفية بالموقع.
وأوضح عبد الرحمان أن عديد المواقع ووسائل الإعلام اكتفت بالقول إن الموقع يوجد في ولاية باجة، في حين أنه يقع فعليًا قرب دقة وتبرسق، ويبعد عن مدينة باجة عشرات الكيلومترات، ما يعكس – بحسب قوله – ضعف الإلمام الحقيقي بالمجال الأثري للجهة.

وأشار إلى أن الموقع الأثري بالماطرية مُصنّف رسميًا من قبل وزارة الثقافة منذ فترة الحماية الفرنسية، وقد تم اكتشافه في أواخر القرن التاسع عشر، ضمن سلسلة الاكتشافات الأثرية الكبرى بالمنطقة، إلى جانب مواقع معروفة مثل دقة، تبرسق، عين طنقة، تيبار وغيرها.

وأكد عبد الرحمان أن ما يتم الترويج له اليوم باعتباره “اكتشافات جديدة” لا يحمل في جوهره أي إضافة علمية حقيقية، إذ سبق توثيق هذه المعطيات في كتابات المستشرق وعالم الآثار Henri Jules Saladin (1851–1923)، مشيرًا إلى أن المقاربة البحثية لا تزال تركّز حصريًا على الفترتين الرومانية والبيزنطية المسيحية.

وفي المقابل، شدد على أن آخر الحفريات العلمية الجدية تُثبت أن جزءًا كبيرًا من هذه المواقع يعود إلى ما قبل الحقبة الرومانية، مستشهدًا بما يُعرف بـ“المنجم الأثري” في دجبة، الذي لا يزال مصنفًا كمنجم روماني، رغم أن نتائج حفريات سنة 2012 في أوتيك أكدت طابعه البونيقي/القرطاجي.

وسخر عبد الرحمان مما اعتبره “تكرارًا للتاريخ”، قائلًا: “بعد الفرنسيين الذين باشروا الحفريات في نهاية القرن التاسع عشر، يبدو أن الدور اليوم قد حان للإيطاليين”، في إشارة إلى تواصل المقاربات الخارجية نفسها دون مراجعة علمية نقدية حقيقية للتصنيفات المعتمدة.
وختم الصحفي مداخلته بالتنبيه إلى أن مئات المواقع الأثرية في تونس لا تزال غير مصنفة وغير مهيكلة من قبل وزارة الثقافة، بل إن بعضها – حسب تعبيره – غير معروف إداريًا من الأساس، ما يطرح تساؤلات جدية حول أولويات إدارة التراث الوطني وسياسات الحماية والتثمين.

