من خلال قراءة تحليلية لتقرير البنك الدولي حول الوضع الاقتصادي لتونس ، يمكن استخلاص خمس نقاط تحليلية رئيسية :
1. الاقتصاد التونسي يتحرك لكن دون اندفاعة نموّ حقيقية
تقدير البنك الدولي لنسبة نمو عند 2.3% فقط سنة 2025 يعكس قناعة المؤسسة المالية بأن تونس لم تدخل بعد مرحلة التعافي الحقيقي.
فالنموّ الحالي ليس نتيجة توسّع في الاستثمار أو الإنتاجية، بل هو نموّ “بالقصور الذاتي” مدفوع أساسًا بعوامل ظرفية، مثل موسم سياحي جيّد وتحويلات الجالية، لا بإصلاحات هيكلية عميقة.
الاقتصاد يسير على عجلتين غير متوازنتين: قطاع خدمات وسياحة نشيط من جهة، وقطاعات إنتاجية وزراعية وصناعية متعبة من جهة أخرى. هذه المفارقة تجعل النمو هشًا، سهل التراجع عند أول أزمة.
2. رسالة تحذيرية حول التمويل والإصلاحات
يشير التقرير بوضوح إلى أن تأخر الاتفاق مع صندوق النقد الدولي أصبح عامل كبح رئيسي.
فمن دون رؤية مالية واضحة وإصلاحات معلنة في مجالات الدعم، المؤسسات العمومية، والجباية، سيبقى الاقتصاد في حالة “انتظار”، بينما يواصل الدين العمومي والعجز المالي التوسع.
البنك الدولي لا يربط الدعم بتوقيع اتفاق فقط، بل يربطه بـ“المصداقية الاقتصادية”، أي قدرة الدولة على طمأنة المستثمرين والشركاء بأنها تملك خطة إصلاح واقعية وتدرجية.
3. الإشارة إلى الإمكانات غير المستغلة: النساء نموذجًا
اختيار البنك الدولي لعنوان التقرير “العمل والنساء: المواهب غير المستغلة والنمو غير المحقق” ليس اعتباطيًا. إنه تذكير بأن تونس، رغم تقدمها النسبي في التعليم وحقوق المرأة، لم تحوّل ذلك إلى قوة إنتاجية.
فمشاركة النساء في سوق العمل لا تزال أقل من إمكانياتهن، وهو ما يُفقد الاقتصاد نقطة إلى نقطة ونصف من النمو سنويًا.
بعبارة أخرى، البنك الدولي يعتبر تمكين المرأة اقتصاديًا ليس ملفًا اجتماعيًا بل أداة نموّ حقيقية.
4. محدودية الدور الأوروبي وتراجع الطلب الخارجي
التقرير يلمّح إلى أن تراجع الطلب الأوروبي على السلع التونسية يحدّ من ديناميكية الصادرات، مما يكشف هشاشة الارتباط الأحادي مع أوروبا.
ففي وقت تنوّع فيه دول الجوار شراكاتها التجارية (المغرب مع الصين وأفريقيا، مصر مع الخليج)، لا تزال تونس تعتمد بنسبة تفوق 70% على أسواق الاتحاد الأوروبي.
الرسالة هنا أن تنويع الشركاء والأسواق أصبح ضرورة وجودية وليس ترفًا اقتصاديًا.
5. دعوة ضمنية إلى الانتقال من “إدارة الأزمة” إلى “بناء النمو”
الخطاب العام في التقرير يوحي بأن تونس ما زالت تُدار بعقلية إدارة الأزمات لا بصناعة النمو.
فالنمو المستدام يتطلب بيئة قانونية واضحة، وحوكمة رشيدة للمؤسسات العمومية، وشراكة حقيقية مع القطاع الخاص.
البنك الدولي ينتظر من تونس خارطة طريق واضحة المعالم تحدّد أولويات الإصلاح وتوقيتها ومصادر تمويلها، بدل الاكتفاء ببرامج ظرفية قصيرة الأمد.
يؤكد هذا التقرير أن تونس تقف على عَتَبة دقيقة بين الاستقرار والتراجع.
فالنمو موجود، لكنه ضعيف. والفرص متاحة، لكنها غير مُستثمرة. والكوادر والكفاءات حاضرة، لكنها مهمّشة أو مهاجرة.
الطريق إلى الإقلاع الاقتصادي يمرّ عبر استعادة الثقة، وتسريع الإصلاحات، وتحفيز الاستثمار الخاص، وتثمين رأس المال البشري، وخاصة النساء والشباب.
ويمكن القول إنّ رسالة البنك الدولي واضحة:“الزمن لا ينتظر، وتونس تملك الإمكانات لتتحرك، لكنها تحتاج قرارًا حازمًا للخروج من منطقة الركود إلى فضاء النمو.”

