الرئيسيةآخر الأخباركتاب يكشف عن الحيل الجديدة لتبييض الأموال

كتاب يكشف عن الحيل الجديدة لتبييض الأموال


لم تعد الحسابات المصرفية السرية في الملاذات الضريبية ولا حقائب النقود الورقية المستعملة هي الوسيلة المفضلة لغسل الأموال.

ففي كتابه الجميع يعشقون دولاراتنا ” Everybody Loves Our Dollars، يوضح الكاتب Oliver Bullough كيف بات مجرمو العصر الحديث يحوّلون عائداتهم غير المشروعة إلى ثروات تبدو قانونية ظاهريًا عبر ما يُعرف بـ«غسل الأموال القائم على التجارة».

يستخدم بولوغ مصطلحًا جديدًا يهم كل من يتابع أساليب غسل الأموال الحديثة: غسل الأموال عبر التجارة. فبدل إنشاء شركات وهمية في ملاذات ضريبية متعددة ونقل الأموال بينها لإخفاء مصدرها، بات المجرمون يتقاضون مدفوعاتهم على شكل سلع. يكشف الكاتب كيف يهرّب تجار المخدرات في المكسيك وكولومبيا الكوكايين والفنتانيل إلى الولايات المتحدة، ويتلقّون مقابل ذلك سلعًا استهلاكية تُشحن إليهم مباشرة من داخل الولايات المتحدة.

وبما أنهم لم يشتروا هذه السلع أصلًا، يمكن تسجيل قيمتها في دفاترهم المحاسبية — إذا كانوا يديرون نشاطًا يبدو مشروعًا — وفق تقييم يخدم احتياجاتهم المالية والضريبية. ثم يحتفظون بالسلع أو يبيعونها لاحقًا بطرق تبدو قانونية. وينقل بولوغ عن ضابط شرطة بريطاني رفيع تقديره بأن 80% من مشتريات الساعات الفاخرة تندرج ضمن غسل الأموال القائم على التجارة.

ويشير إلى أن شراء ساعة فاخرة بقيمة 150 ألف جنيه إسترليني من طراز «ريتشارد ميل» وتسليمها كوسيلة دفع لمجرم، أكثر أمانًا بكثير من تسليم النقود. فالمجرم يمكنه ارتداء الساعة أو بيعها، وغالبًا ما ترتفع قيمة الساعات النادرة في سوق المستعمل. وتُعد حقائب اليد الفاخرة مرتفعة الثمن شائعة للسبب ذاته. كما تستخدم الجماعات الإرهابية هذا النوع من التبادل التجاري لتمويل أنشطتها. وينقل الكاتب عن أحد المحققين قوله: «إذا كنت تعتقد أنك ستعثر على حساب أسامة بن لادن المصرفي في سويسرا، فأنت واهم. هذا الحساب غير موجود».

استحالة الرقابة الشاملة محاولة تتبّع المدفوعات القائمة على التجارة تكاد تكون مستحيلة، إذ يتطلب ذلك من كل دولة في العالم مراقبة شحن معظم أنواع السلع على الكوكب. فضلًا عن أن استخدام «الموانئ الحرة» المنتشرة عالميًا — حيث يمكن إخفاء منشأ السلع ووجهتها — يجعل هذه المهمة شبه عبثية.

ويتناول بولوغ أيضًا أشكالًا «تقليدية» لغسل الأموال، منتقدًا الأنظمة التي تُحمّل البنوك مسؤولية الإبلاغ عن المعاملات المشبوهة للجهات الرقابية والشرطة. وبما أن البنوك تتمتع بحصانة من الملاحقة إذا أبلغت عن معاملات مشكوك فيها، فإنها تميل إلى الإفراط في الإبلاغ، ما يُغرق المحققين بسيل من القضايا. ويشير إلى أن المحققين الماليين في الولايات المتحدة لديهم نحو 300 مليون معاملة مشبوهة مسجلة، ويُضاف إليها 55 ألف معاملة جديدة يوميًا. ويرى أن على البنوك التعمّق أكثر والإبلاغ فقط عن المعاملات التي تستحق وقت الشرطة.

العملات المشفرة: حلم المجرمين

يتطرق الكتاب أيضًا إلى أحد أكثر أشكال غسل الأموال الحديثة إثارة للقلق: استخدام العملات المشفرة. فهذه العملات تمثل «تحقيق حلم المجرم»، لأنها تتيح «نقل الثروة فورًا، بعيدًا عن أعين أي سلطة حكومية».

ويذكر الكاتب إدانة امرأة في لندن عام 2024 بتهمة غسل الأموال، بعد العثور بحوزتها على ما قيمته مليارا جنيه إسترليني من عملة بيتكوين دون أي مبرر لمصدرها. يعترف بولوغ بأن كتابه هذا أكثر تعقيدًا من أعماله السابقة Butler to the World و**Moneyland**، نظرًا لكثرة الاختصارات المستخدمة لوصف أشكال غسل الأموال والهيئات الدولية المعنية بمكافحتها. لكنه يخفف من ثقل الموضوع بأسلوبه الساخر وكتابته الدقيقة، ساخرًا من محاولاته مقابلة مسؤولي الملاذات الضريبية بقوله: «لم يُخبرني أحد يومًا بشيء مفيد، سوى أحيانًا كيفية العثور على الباب».

ويقدّر الكاتب القيمة العالمية لغسل الأموال بما يصل إلى 5 تريليونات دولار — أي أكثر من حجم الاقتصاد البريطاني بأكمله. تحقيقات كاشفة يكشف بولوغ كذلك كيف يثبت المجرمون هوياتهم في صفقات نقدية دون الكشف عن أسمائهم. ففي إحدى الطرق، يحدد متلقي المال الرقم التسلسلي لإحدى الأوراق النقدية الصغيرة بحوزته لطرف ثالث وسيط، ينقل هذه المعلومة إلى ناقل الأموال. وعند التسليم، يعطي المتلقي الورقة النقدية للناقل للتأكد من الرقم التسلسلي، فإذا تطابق، يسلم الناقل المبلغ ويحتفظ بالورقة كإيصال. رغم ذلك، يثير الكتاب تساؤلات لدى بعض القراء، بسبب استخدام الكاتب أحيانًا لغة فجة، واعتماده مصطلحي «الأشرار» و«الأخيار»، إضافة إلى طرحه فكرة تقنين بعض المخدرات للحد من الجريمة وغسل الأموال، وهي فكرة محل جدل واسع.

مع ذلك، يتفق الجميع على أن تحقيقات بولوغ لا تُضاهى. ففي أحد الفصول، يقتحم مجمع فندق-كازينو مهجورًا في جزر ماريانا الشمالية، ليعثر على وثائق تكشف أسماء زبائن راهنوا بملايين الدولارات عبر تحويلات غير قانونية. ويصف اللحظة قائلًا إن الطريق الوحيد لمغادرة الجزيرة كان «طائرة صغيرة تتسع لستة أشخاص تقلع بعد ساعتين، بينما بحوزتنا معلومات كافية لفضح آليات عمل شبكة إجرامية كاملة». وقد تمكن من الهرب في اللحظات الأخيرة.

الكتاب: Everybody Loves Our Dollars: How Money Laundering Won المؤلف: أوليفر بولوغ الناشر: Weidenfeld & Nicolson السعر: 25 جنيهًا إسترلينيًا – 336 صفحة

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى

error: Content is protected !!