تشهد منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر لحظاتها توترًا منذ سنوات، في ظل مؤشرات ميدانية وسياسية متسارعة توحي بأن المنطقة تقف على حافة مرحلة جديدة قد تكون بالغة الخطورة. فدخول حاملة الطائرات الأميركية USS Abraham Lincoln ومجموعتها القتالية إلى المنطقة، يقابله حشد عسكري إيراني غير مسبوق في الخليج ومحيطه، وسط رسائل سياسية وعسكرية متبادلة ترفع منسوب القلق بشأن احتمالات الانزلاق نحو مواجهة مباشرة.
التحرك الأميركي، بحسب مسؤولين في واشنطن، يهدف إلى توفير “خيارات هجومية ودفاعية إضافية” للرئيس الأميركي دونالد ترامب، في حال اتخاذ قرار بتوجيه ضربة عسكرية ضد إيران. ورغم أن الخطاب الأميركي الرسمي لا يزال يركّز على الردع وحماية المصالح والقوات الأميركية في المنطقة، فإن رمزية نشر حاملة طائرات في هذا التوقيت بالذات لا يمكن فصلها عن سياق التصعيد القائم.
في المقابل، حرصت دولة الإمارات العربية المتحدة على النأي بنفسها عن أي سيناريو عسكري محتمل، مؤكدة بشكل واضح أنها لن تسمح باستخدام مجالها الجوي أو أراضيها أو مياهها الإقليمية في أي عمل عسكري موجّه ضد إيران. هذا الموقف يعكس إدراكًا خليجيًا متزايدًا لحجم المخاطر التي قد تترتب عن أي مواجهة واسعة، خاصة في منطقة مترابطة أمنيًا واقتصاديًا بشكل شديد الحساسية.
على الضفة الأخرى، لم تكتفِ إيران بالخطاب السياسي، بل ترجمت رسائلها إلى وقائع ميدانية. فقد عززت قواتها، ولا سيما البحرية التابعة للحرس الثوري، انتشارها في الخليج العربي ومضيق هرمز، مع تركيز خاص على محافظة هرمزغان.
وشمل هذا التعزيز نشر منظومات صاروخية متطورة، من بينها صواريخ مضادة للسفن من طراز فتح ومقدّم 360 المزوّدة بأنظمة توجيه نهائي، إضافة إلى صاروخ كروز البحري الثقيل أبو مهدي الذي يُقال إن مداه يتجاوز ألف كيلومتر.
ولا يقلّ خطورة عن ذلك، وفق تقديرات عسكرية غربية، اعتماد إيران المتزايد على أسراب من الطائرات المسيّرة الانتحارية منخفضة الكلفة. هذه المقاربة، التي تقوم على الإغراق العددي بدل التفوق التكنولوجي الباهظ، تمثل تحديًا حقيقيًا لأنظمة الدفاع التقليدية للسفن الحربية الكبرى. وفي هذا السياق، حذّر خبراء غربيون من أن هذه المسيّرات قد تشكّل تهديدًا فعليًا لسفن عالية القيمة، إذا ما استُخدمت ضمن هجمات منسّقة.
الخطاب الإيراني الرسمي جاء هذه المرة بنبرة مزدوجة: هدوء ظاهري ورسائل ردع شديدة. فقد أكد رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية، اللواء محمد باقري موسوي، أن بلاده “دولة مستقرة ولا تشعر بالقلق من وجود حاملات الطائرات الأميركية”، مشددًا على أن القوات الأميركية منتشرة أصلًا في المنطقة منذ سنوات دون أن يغيّر ذلك من حسابات طهران. غير أنه حذّر في المقابل من أن أي عمل عدائي سيقابل بـ“رد ناري غير مسبوق”، مؤكدًا أن سيادة إيران خط أحمر غير قابل للتفاوض.
وتتسع دائرة التحركات العسكرية لتشمل أطرافًا دولية أخرى. فقد رُصدت طائرة شحن عسكرية بريطانية من طراز Airbus A-400M وهي تتجه من قبرص نحو الشرق الأوسط، في مؤشر إضافي على رفع مستوى الجاهزية العسكرية الغربية، تحسبًا لأي تطورات مفاجئة.
أمام هذا المشهد المركّب، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل بدأ العدّ التنازلي فعلًا؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات رسمية على قرار وشيك بالحرب، لكن تلاقي هذا الكم من القوات، وتكثيف الخطاب التحذيري، وارتفاع منسوب الاستعداد العسكري، كلها عناصر تجعل المنطقة تعيش حالة “توتر ما قبل الانفجار”. وهي مرحلة لطالما سبقت، تاريخيًا، تحولات كبرى أو مواجهات محدودة قد تتدحرج سريعًا خارج نطاق السيطرة.
في المحصلة، يبدو أن الشرق الأوسط دخل مرحلة ردع قصوى، حيث يختبر كل طرف حدود الآخر دون تجاوز الخط الأحمر علنًا. غير أن التجارب السابقة تُظهر أن الخطورة لا تكمن فقط في القرارات السياسية، بل أيضًا في سوء التقدير أو الحوادث غير المحسوبة. وهنا تحديدًا يكمن جوهر السؤال: إذا لم يكن العدّ التنازلي قد بدأ بعد، فكم يفصل المنطقة عن لحظته الأولى؟

