تشير تقارير وتحليلات أمريكية متقاطعة إلى أن أي تصعيد عسكري محتمل بين الولايات المتحدة وإيران قد لا يكون بالبساطة التي يتصورها بعض صناع القرار في واشنطن. ففي وقت تدرس فيه إدارة الرئيس دونالد ترامب خيارات عسكرية ضد طهران، تتزايد التحذيرات داخل المؤسسات البحثية والعسكرية الأمريكية من مخاطر الانزلاق إلى نزاع طويل ومعقّد في منطقة الخليج.
تراجع الحضور العسكري الأمريكي
وفق تقرير صادر عن مؤسسة RAND Corporation، شهد الوجود العسكري الأمريكي في الخليج تراجعاً ملحوظاً مقارنة بفترات سابقة. ويشير التقرير إلى أن حجم القوات الأمريكية المنتشرة حالياً قد لا يكون كافياً لخوض مواجهة واسعة مع إيران، خاصة بالنظر إلى التطور الكبير في القدرات العسكرية الإيرانية خلال السنوات الأخيرة.
إيران، بحسب التقييمات الاستراتيجية، لا تُقارن بساحات مثل سوريا أو لبنان أو العراق من حيث الإمكانات العسكرية التقليدية وغير التقليدية. فهي تمتلك واحداً من أكبر برامج الصواريخ في العالم، يشمل صواريخ باليستية وصواريخ كروز وأنظمة مضادة للسفن متطورة. كما طورت قدرات في مجال الدفاع الجوي والاستشعار، مع تقارير تتحدث عن تحسين قدرتها على رصد مقاتلات شبحية متقدمة، إضافة إلى تعاون تقني مع قوى دولية في مجالات الدفاع الجوي والبنية التحتية الفضائية.
مخاوف البنتاغون: حرب بلا نهاية واضحة
في هذا السياق، أفادت تقارير إعلامية أمريكية، من بينها ABC News، أن البنتاغون أبلغ الرئيس ترامب بمخاوفه من أن أي حملة عسكرية ممتدة ضد إيران قد تنطوي على مخاطر كبيرة، تشمل خسائر في صفوف القوات الأمريكية والحلفاء، واستنزاف أنظمة الدفاع الجوي، وضغطاً هائلاً على الجاهزية القتالية للقوات.
التحذير المركزي داخل المؤسسة العسكرية يتمثل في أن الحرب، إذا اندلعت، قد لا تبقى محدودة أو قصيرة. وحتى في حال تحقيق تفوق عسكري أولي، فإن إدارة صراع طويل في بيئة إقليمية شديدة التعقيد قد تتحول إلى عبء استراتيجي.
وهم “الانتصار السريع”
المحلل جدعون راتشمان يحذر من نزعة متكررة في السياسة الأمريكية تقوم على الرهان على “الضربة الحاسمة” لتحقيق مكاسب سريعة. غير أن التجربة التاريخية — من العراق إلى أفغانستان — تُظهر أن الحروب قد تبدأ بعمليات عسكرية خاطفة، لكنها سرعان ما تتحول إلى صراعات استنزاف طويلة، تتداخل فيها العوامل العسكرية مع الأبعاد السياسية والاجتماعية والإقليمية.
فالقوة العسكرية قد تُسقط أهدافاً محددة أو تُلحق أضراراً بالبنية التحتية، لكنها لا تضمن بالضرورة تحقيق استقرار دائم أو فرض تسوية سياسية مستدامة.
مخاطر التصعيد التدريجي
أي نشر إضافي للقوات الأمريكية في المنطقة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، منها:
- توسيع رقعة الصراع بدل احتوائه
- استثارة أطراف إقليمية أو دولية أخرى للدخول على خط المواجهة
- الانزلاق إلى مواجهة أوسع بفعل حسابات خاطئة أو ردود فعل غير محسوبة
في منطقة شديدة الحساسية مثل الخليج، حيث تتقاطع مصالح قوى كبرى وإقليمية، قد يكون لأي خطأ تكتيكي تداعيات استراتيجية واسعة.
الكلفة السياسية الداخلية
حتى لو تحقق تقدم عسكري في بدايات أي مواجهة، فإن طول أمد النزاع قد ينعكس داخلياً على الولايات المتحدة. فالرأي العام الأمريكي أصبح أكثر حساسية تجاه الحروب الخارجية المكلفة. ومع ارتفاع الخسائر البشرية أو التكاليف الاقتصادية، تتزايد الضغوط السياسية والانتخابية على الإدارة الحاكمة.
التجربة الأمريكية الحديثة تكشف نمطاً متكرراً:
بداية عسكرية قوية → تعقيد ميداني متصاعد → استنزاف طويل → تراجع أو انسحاب بتكلفة سياسية مرتفعة.
الردع بالقوة… وحده لا يكفي
التحليلات الاستراتيجية تشير ضمناً إلى أن الاعتماد على الردع العسكري وحده قد لا يكون كافياً لإدارة صراع متعدد الأبعاد مع دولة بحجم إيران. فالأزمات ذات الطابع الإقليمي والعقائدي المركب تحتاج إلى أدوات سياسية ودبلوماسية واقتصادية موازية، وإلا تحولت العمليات العسكرية إلى حلقات متتالية من التصعيد دون أفق واضح.
الخلاصة: نصر تكتيكي أم هزيمة استراتيجية؟
التحذير الذي يتقاطع في تقارير RAND وتحليلات الإعلام الأمريكي يتمثل في أن أي رهان على “نصر خاطف” قد يتحول إلى فخ استراتيجي. فحتى في حال تحقيق أهداف عسكرية محدودة، فإن كلفة النزاع الممتد — بشرياً وسياسياً واقتصادياً — قد تُفضي إلى ما يمكن وصفه بـ“هزيمة ممتدة”، لا تعني خسارة ميدانية مباشرة، بل تآكلاً تدريجياً في المكانة والنفوذ والموارد.
وفي ظل توازنات إقليمية معقدة وتداخل مصالح دولية كبرى، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تتجه واشنطن نحو ضربة محسوبة ومحدودة، أم أن ديناميات التصعيد قد تدفعها إلى مسار يصعب التحكم في نهايته؟

