كشفت صحيفة فايننشال تايمز في تقرير نشرته اليوم أن إيران أجرت تحولاً لافتاً في عقيدتها الصاروخية عقب ما بات يُعرف بـ”حرب الـ12 يوماً”، متخلّية عن استراتيجية الضربات الكثيفة واسعة النطاق، لصالح نمط هجومي قائم على وتيرة منخفضة لكنها مستمرة، في إطار ما يصفه خبراء بحرب استنزاف طويلة النفس.
وبحسب التقرير، لم تعد طهران تراهن على موجات صاروخية ضخمة يسهل رصدها واعتراضها، بل انتقلت إلى إطلاق رشقات صغيرة ومتتابعة تهدف إلى إنهاك أنظمة الدفاع الجوي لدى إسرائيل وحلفائها في الخليج، واستنزاف مخزونهم من صواريخ الاعتراض الباهظة الكلفة.
“الرذاذ” بدلاً من العاصفة
الهجمات الأخيرة على إسرائيل توصف داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأسلوب “الرذاذ” (drizzle)، أي ضربات أصغر حجماً لكنها أكثر انتظاماً. ورغم اعتراض الغالبية العظمى من الصواريخ والمسيّرات، فإن بعض المقذوفات نجح في الاختراق، أو لم يُعترض لأسباب تتعلق بكلفة صواريخ الدفاع مقارنة بثمن الأهداف المهاجمة.
وتشير المعطيات إلى أن إيران نفذت أكثر من 25 موجة هجومية منذ بدء الضربات الأميركية-الإسرائيلية، شملت مسارح عمليات متعددة في المنطقة.
استهداف البنى التحتية والقواعد الأميركية
بالتوازي مع الهجمات باتجاه إسرائيل، كثّفت طهران ضرباتها قصيرة المدى على دول الخليج باستخدام مسيّرات وصواريخ تكتيكية، مستهدفة بنى تحتية مدنية وقواعد عسكرية أميركية. ويبرز في هذا السياق حادث إصابة منشأة للأسطول الأميركي الخامس في البحرين بمسيّرة من طراز “شاهد” منخفضة التقنية، وهو تطور وصفته دوائر أمنية بالمقلق، رغم محدودية أضراره.
الهدف العملياتي، وفق التقرير، لا يقتصر على إحداث خسائر مباشرة، بل يتعداه إلى تشويش الحياة اليومية وخلق ضغط نفسي متواصل، خصوصاً داخل إسرائيل، حيث يُنظر إلى القصف المتكرر بوصفه أداة استنزاف معنوي بقدر ما هو عسكري.
فجوة الكلفة: سلاح إيران غير المرئي
خبراء عسكريون يرون أن جوهر الاستراتيجية الإيرانية يقوم على استغلال “فجوة الكلفة”. فصواريخ الاعتراض المستخدمة من قبل إسرائيل وحلفائها — مثل THAAD و”آرو” و”مقلاع داود” — تُعد باهظة الثمن وتحتاج إلى سنوات لإعادة إنتاجها وتعويض المخزون المستهلك.
في المقابل، تعتمد طهران على إطلاق ذخائر أقل قيمة أولاً، مع الاحتفاظ بالصواريخ الأكثر تطوراً ودقة لمراحل لاحقة من الصراع. هذا التكتيك يتيح لها الضغط التدريجي على خصومها دون استنزاف سريع لقدراتها النوعية.
ضغط الزمن و”استخدمه أو اخسره”
مع ذلك، تواجه إيران معضلة زمنية، إذ تشير التقديرات إلى أنها مضطرة لاستخدام جزء من ترسانتها قبل أن تُدمَّر منصات الإطلاق في ضربات استباقية — وهو ما يُعرف عسكرياً بمبدأ “use it or lose it”.
وتفيد تقارير إسرائيلية بأن نحو 50% من منصات الصواريخ الباليستية الإيرانية قد دُمّرت أو تعطلت، وهي أرقام لم تُؤكد بشكل مستقل. غير أن هذه المعطيات تعكس حجم الاستهداف الذي تعرضت له البنية الصاروخية الإيرانية خلال الضربات الأخيرة.
تفويض ميداني واستعداد لفقدان القيادة
تحليلات استخباراتية نقلتها الصحيفة تشير إلى أن طهران توقعت احتمال فقدان منظومة القيادة والسيطرة المركزية، ولذلك قامت مسبقاً بتفويض قادة ميدانيين صلاحية إطلاق الصواريخ وفق إحداثيات معدّة سلفاً، ما يضمن استمرارية العمليات حتى في حال تعرض القيادة العليا لضربات مباشرة.
مخزون كبير واستعداد لحرب طويلة
بعد إعادة التسلح، يُقدّر مخزون إيران بنحو 2500 صاروخ باليستي عند بدء الصراع، وهو رقم يعكس قدرة على خوض مواجهة ممتدة. ويجمع محللون استراتيجيون على أن طهران لا تتحرك بعقلية الحسم السريع، بل تستعد لحرب استنزاف طويلة، تراهن فيها على عامل الوقت وتآكل الجاهزية لدى خصومها.
سيناريو الرد المؤجل
يحذر خبراء من سيناريو محتمل يتمثل في امتصاص إيران للضربات الحالية، مع تأجيل رد واسع النطاق إلى مرحلة لاحقة قد تتراجع فيها الجاهزية الأميركية في المنطقة. مثل هذا الخيار، إن تحقق، سيعني انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر تعقيداً وأقل قابلية للاحتواء.

