شهد مهرجان قرطاج السينمائي هذا العام حادثة غير مسبوقة، إذ أعلن أعضاء اللجنة الدولية للتحكيم انسحابهم من حفل توزيع الجوائز احتجاجًا على قرار إدارة المهرجان بتغييب دورهم في تقديم الجوائز وقراءة أسباب اختيار الأفلام الفائزة. ويُعد هذا الحدث خطوة لافتة أثارت نقاشًا واسعًا حول نزاهة المهرجانات السينمائية ودور لجان التحكيم في حماية حرية التعبير الفني.
وأشار أعضاء اللجنة إلى أن جهودهم كانت غير مدفوعة الأجر، مؤكّدين أنهم قدموا وقتهم بعيدًا عن حياتهم وعائلاتهم، في سبيل حماية نزاهة التحكيم السينمائي.
فوجئ أعضاء اللجنة باتصال هاتفي من إدارة المهرجان صباح يوم السبت، يُخبرهم بأن الأشخاص الذين سيقدّمون الجوائز لن يكونوا من اللجنة نفسها، وهو إجراء غير معتاد في المهرجانات الدولية، حيث يمثل صوت لجنة التحكيم قلب النزاهة الفنية.
حاول أعضاء اللجنة تقديم حلول بديلة، بما في ذلك السماح لقراءة المبررات المكتوبة مسبقًا، بينما يقدم الضيوف الجوائز على المسرح. ورغم بروفة استمرت ثلاث ساعات في دار الأوبرا، أُبلغوا قبل الحفل بأن القرار السابق عاد إلى التنفيذ، ولن تُقرأ مبررات اللجنة، وسيتم تقديم الجوائز من قبل أشخاص آخرين.
في خطوة مبدئية، قررت اللجنة بالإجماع عدم حضور الحفل، موضحة أن القرار جاء حرصًا على دور اللجنة في حماية الحرية السينمائية، وقال البيان:”لم نتخذ هذا القرار باستهانة، بل مبدئيًا. فإسكات صوت اللجنة يعني تقويض أساسات الحرية السينمائية والثقة التي لطالما دافع عنها مهرجان قرطاج.”
يُعتبر هذا الموقف رسالة قوية مفادها أن لجان التحكيم ليست رمزية، بل هي جزء جوهري من مصداقية أي مهرجان دولي.
أكد البيان أن مهرجان قرطاج السينمائي، الذي يقام منذ أكثر من ستين عامًا، ليس مجرد حدث فني، بل رمز للحوار الحر والتفكير المستقل والفن المسؤول. ويأتي هذا الدور في ظل أزمات إنسانية كبرى في المنطقة، خاصة الوضع في فلسطين والمعاناة في الدول العربية الأخرى، ما يجعل المهرجان مساحة لتعزيز الوعي الثقافي والحرية الفنية.

يطرح انسحاب لجنة التحكيم الدولية تساؤلات مهمة حول:
- مدى قدرة إدارات المهرجانات على حماية استقلالية اللجان وصوت الفن الحر.
- تأثير القرارات الإدارية على مصداقية الجوائز وسمعة المهرجان دوليًا.
- العلاقة بين السينما العربية والقيم العالمية للشفافية والنزاهة في تقييم الأعمال الفنية.
وبحسب خبراء سينمائيين، فإن تجاوز صوت لجنة التحكيم قد يؤدي إلى تراجع ثقة صناع الأفلام الدوليين في المهرجان، خصوصًا في ظل المنافسة الشديدة بين المهرجانات الكبرى في المنطقة والعالم.
أشار البيان إلى أن مهرجان قرطاج لطالما كان فضاءً للحرية الفكرية والتعبير الفني، ما يجعل موقف اللجنة نموذجًا يحتذى به في الدفاع عن استقلالية الفن. ويظهر هذا الحدث أن الالتزام بالمبادئ يتجاوز مجرد حضور الحفل أو قبول الجوائز، ويؤكد على أن السينما قادرة على إيصال رسائل أخلاقية وإنسانية قوية في أصعب الظروف.

