في لحظة سياسية حساسة تمر بها أوروبا، رفض الأمين العام لمجلس أوروبا، آلان بيرسيه، وبشكل واضح وصريح، دعوة موقعة من تسعة قادة أوروبيين، بقيادة رئيسة وزراء ايطاليا ونظيرتها الدانماركية ميته فريدركسن تطالب بإعادة النظر في تفسير المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان للاتفاقية الأوروبية، وخصوصًا في ما يتعلق بأحكام تتصل بقضايا الهجرة.
خلفية التحرك الأوروبي
المبادرة التي قادتها كوبنهاغن وروما، وساندتها عواصم أخرى مثل وارسو، براغ، وفيينا، جاءت في شكل رسالة مشتركة تطالب بفتح “نقاش جديد ومنفتح” حول الدور القضائي للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، واتهام ضمني بأنها تتجاوز أحيانًا صلاحياتها في ما يتعلق بملف الهجرة، الذي بات يمثل ضغطًا سياسيًا واجتماعيًا كبيرًا على بعض الدول الأعضاء.
بالنسبة لهؤلاء القادة، فإن قرارات المحكمة تُصعّب تطبيق سياسات وطنية أكثر صرامة ضد الهجرة غير النظامية، في وقت يتزايد فيه الضغط الشعبي على الحكومات لفرض الرقابة على الحدود، والتشدد في ملفات اللجوء والترحيل.
رد حازم من مجلس أوروبا
لكن رد آلان بيرسيه لم يكن مجرد توضيح قانوني. بل جاء بمثابة دفاع مبدئي عن استقلال القضاء الأوروبي، ورفض قاطع لتسييس العدالة. وأكد بيرسيه أن المحكمة ليست هيئة منفصلة أو مفروضة من الخارج، بل هي نتاج سيادي للدول الأوروبية التي أنشأتها ووقعت على معاهدتها طوعًا. وقال بلهجة حازمة:
“في مجتمع يحكمه القانون، لا ينبغي أن تخضع أي سلطة قضائية لضغوط سياسية”.
كما ذكّر بأن المحكمة كانت، ولا تزال، صمام أمان في مواجهة تقلبات السياسة، ورافعة لضمان الحقوق الفردية، خصوصًا في أوقات الأزمات السياسية والحروب، كما هو الحال اليوم في سياق العدوان الروسي على أوكرانيا، حيث تُعد المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان الهيئة القضائية الدولية الوحيدة التي تنظر في انتهاكات حقوق الإنسان هناك.
قراءة سياسية
الرسالة الأوروبية تعكس تنامي التيارات السيادية في أوروبا، التي باتت ترى في بعض المؤسسات الأوروبية، وعلى رأسها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، عقبة أمام ما تعتبره “استعادة للسيادة الوطنية” و”التحكم في مصير السياسات الداخلية”.
لكن موقف بيرسيه ينبّه إلى مفارقة خطيرة: إذا تم تسييس المحكمة، أو جُرّت إلى لعبة الموازنات السياسية، فإن الأسس التي قامت عليها أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية ـ سيادة القانون، واحترام الحريات، وحماية الأفراد من استبداد الدولة ـ ستكون في مهب الريح.
في الذكرى الـ75 للاتفاقية
تأتي هذه الأزمة في توقيت رمزي، حيث تحتفل الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان بعيدها الخامس والسبعين. وهي مناسبة كان يُفترض أن تكون لحظة إجماع أوروبي على صون المكتسبات الحقوقية، لا موضع تجاذب سياسي. وكأنما أراد الأمين العام من بيانه أن يُذكر العواصم الموقعة بأن المحكمة ليست عبئًا، بل ميراثًا جماعيًا حمى أوروبا من نفسها، في لحظات كان فيها صوت القانون هو الأضعف.

