خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بمناسبة إعلان الاستراتيجية الجديدة للأمن القومي في ديسمبر 2025، بتصريحات لافتة أكد فيها اعتناقه الصريح لما وصفه بـ”عقيدة مونرو”، نسبة إلى الرئيس الأمريكي الخامس جيمس مونرو الذي أعلنها سنة 1823 تحت شعار شهير مفاده: «أمريكا للأمريكيين».
عندما أعلن الرئيس الأمريكي جيمس مونرو سنة 1823 عقيدته الشهيرة، كانت الولايات المتحدة آنذاك قوة صاعدة تسعى إلى حماية محيطها الجغرافي من عودة الاستعمار الأوروبي، خصوصًا بعد حروب الاستقلال التي خاضتها دول أمريكا اللاتينية ضد إسبانيا والبرتغال. وقد ارتكزت العقيدة على ثلاث ركائز أساسية:
- رفض أي تدخل أوروبي جديد في شؤون القارة الأمريكية.
- اعتبار أي محاولة استعمارية تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الأمريكي.
- التزام الولايات المتحدة بعدم التدخل في النزاعات الأوروبية.
غير أن هذا الإطار النظري سرعان ما جرى تفريغه من طابعه الدفاعي، وتحويله، خاصة منذ نهاية القرن التاسع عشر، إلى ذريعة سياسية وقانونية لتبرير التدخل الأمريكي المباشر في شؤون دول أمريكا اللاتينية، تحت مسميات متعددة: حماية الاستقرار، الدفاع عن الديمقراطية، مكافحة الشيوعية، ثم لاحقًا محاربة المخدرات والإرهاب.
كوبا: من الحماية إلى الوصاية
مثّلت كوبا أحد أوضح تجليات التطبيق العملي لعقيدة مونرو بصيغتها التوسعية. فبعد الحرب الأمريكية–الإسبانية سنة 1898، خرجت إسبانيا من الجزيرة لتحلّ محلها الولايات المتحدة، التي فرضت تعديل بلات، مانحة نفسها حق التدخل العسكري في الشأن الكوبي متى رأت ذلك مناسبًا.
وبعد الثورة الكوبية سنة 1959، تحولت كوبا إلى رمز للتحدي المباشر للهيمنة الأمريكية، ما دفع واشنطن إلى تشديد الحصار الاقتصادي، ومحاولات إسقاط النظام، وأبرزها فشل إنزال خليج الخنازير سنة 1961، في سياق صراع الحرب الباردة، وكل ذلك تحت منطق أن أي نفوذ غير أمريكي في “الفناء الخلفي” مرفوض.
الشيلي: إسقاط ديمقراطية باسم الأمن القومي
في تشيلي، اتخذت عقيدة مونرو بعدًا أكثر خطورة، حين دعمت الولايات المتحدة، بشكل مباشر وغير مباشر، الانقلاب العسكري سنة 1973 ضد الرئيس الاشتراكي المنتخب ديمقراطيًا سلفادور أليندي.
برّرت واشنطن تدخلها آنذاك بالخوف من تمدد النفوذ السوفييتي في أمريكا الجنوبية، معتبرة أن الخيارات السياسية الداخلية لدولة ذات سيادة تشكل تهديدًا للأمن القومي الأمريكي. وكانت النتيجة إقامة نظام عسكري بقيادة أوغستو بينوشيه، ارتكب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، في مقابل ضمان ولائه الاستراتيجي للولايات المتحدة.
بنما: التدخل العسكري الصريح
بلغت عقيدة مونرو ذروتها الصلبة في الغزو الأمريكي لبنما سنة 1989، عندما أمرت واشنطن باعتقال الجنرال مانويل نورييغا ونقله إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهم تتعلق بالمخدرات.
العملية، التي تمت عبر تدخل عسكري مباشر، جسّدت بوضوح منطق أن السيادة الوطنية لدول أمريكا اللاتينية تبقى مشروطة بمدى انسجام أنظمتها مع المصالح الأمريكية، وأن الولايات المتحدة تحتفظ بحق استخدام القوة داخل القارة دون تفويض دولي فعلي.
من مونرو إلى ترامب: عودة العقيدة بصيغة صدامية
في هذا السياق التاريخي، لا تبدو قراءة دونالد ترامب لعقيدة مونرو خروجًا عن المسار بقدر ما هي عودة صريحة إلى جوهرها الإمبراطوري، بعد سنوات من تغليفها بخطاب دبلوماسي ناعم. فالتصعيد ضد فنزويلا، والانتقال من العقوبات والحصار إلى منطق الاعتقال والتدخل المباشر، يعيد إلى الأذهان نماذج كوبا وتشيلي وبنما، مع اختلاف السياق الدولي، لكن بثبات المنطق نفسه:
الأمريكيتان مجال نفوذ أمريكي حصري، وأي تمرّد سياسي داخلهما يُعامل كتهديد للأمن القومي للولايات المتحدة.

